"جيميني 3".. تحول جذري في طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي
عندما أعلنت شركة “جوجل” في نوفمبر عن أحدث نماذجها للذكاء الاصطناعي، بعد نحو ثلاث سنوات من إطلاق «شات جي بي تي»، لم تتردد في وصف الخطوة بأنها إيذانا بـ«حقبة جديدة من الذكاء»، النموذج الجديد «جيميني 3» جاء أسرع وأكثر تطورا في قدرات الاستدلال، ونجح في تسجيل رقم قياسي في اختبار Humanity’s Last Exam، المصمم لقياس قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على محاكاة الذكاء البشري أو تجاوزه.
جيميني 3
وسرعان ما لاحظ المستخدمون الأوائل أن «جيميني 3» لا يمثل مجرد تحديث تقني محدود، بل يعكس تحولا جذريا في طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي.
واعتبر مارك بينيوف، الرئيس التنفيذي لشركة «سيلزفورس»، أن القفزة التي حققها النموذج في مجالات الاستدلال والسرعة والتعامل مع الصور والفيديو «مذهلة بكل المقاييس»، وفق ما نقلته صحيفة «ذي إندبندنت» البريطانية.
هذا التقدم السريع دفع «أوبن أيه آي»، المطوّرة لـ«شات جي بي تي»، إلى إعلان حالة «التأهب القصوى»، في تكرار لمشهد سبق أن شهدته غوغل نفسها عند إطلاق «شات جي بي تي» قبل أعوام.
ومع تسارع التطورات، برز سؤال جوهري: كيف استطاعت جوجل تحقيق هذه القفزة النوعية خلال فترة قصيرة، علماً بأن تطبيق «جيميني» المستقل لم يُطلق سوى قبل عام واحد فقط؟
ما وراء التفوق
داخل جوجل، يرجع بعض العاملين هذا الإنجاز إلى تحسين شامل في كل الجوانب التقنية،غير أن مراقبين يرون أن الصورة أكثر تعقيداً من مجرد تطوير تقني متدرج.
فطوال أكثر من عقدين، كانت جوجل بوابة الإنترنت الأولى، ومحرك بحثها هو المسار الرئيسي الذي يعبره المستخدمون للوصول إلى محتوى الويب، وفي المقابل، يعتمد الناشرون ومنشئو المحتوى على جوجل لجذب الزيارات وتحقيق الإيرادات، ما يدفعهم إلى منح روبوتات الزحف التابعة لها صلاحيات واسعة للوصول إلى محتواهم.
لكن مع التحول المتسارع من البحث التقليدي إلى البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي حيث باتت أكثر من 60% من الاستفسارات تجاب دون الحاجة إلى النقر على روابط وجدت جوجل نفسها في موقع استثنائي، فقد استغلت هيمنتها على سوق البحث لتتمتع بوصول غير مسبوق إلى بيانات الويب، وهو ما تُوظفه الآن في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.
نافذة «كلاود فلير» على الحقيقة
تلعب شركة «كلاود فلير»، المتخصصة في الأمن السيبراني، دور «الوسيط» الذي يحمي أكثر من 20% من مواقع الويب حول العالم، ما يمنحها رؤية دقيقة لكيفية استخدام شركات التكنولوجيا لروبوتات الزحف في جمع البيانات.
ويقول ماثيو برينس، الرئيس التنفيذي لـ«كلاود فلير»، إن شركته ترى بشكل مباشر حجم الفارق بين وصول روبوتات جوجل وبقية شركات الذكاء الاصطناعي إلى محتوى الويب، واصفاً هذا الفارق بأنه «مذهل».
وتُظهر البيانات التي شاركتها «كلاود فلير» مع صحيفة «ذي إندبندنت» أن جوجل تتفوق بشكل كاسح في حجم البيانات التي تصل إليها لأغراض تدريب الذكاء الاصطناعي.
أفضلية يصعب مجاراتها
بحسب هذه البيانات، تصل روبوتات جوجل إلى محتوى ويب يزيد بنحو 322% عما تصل إليه «أوبن أيه آي»، كما تتفوق على «ميتا» بنسبة 478%، وعلى «أنثروبيك» بنسبة 484%، وعلى «مايكروسوفت» بنسبة 437%.
ويعلّق برينس قائلاً: «إذا كان الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي مرتبطاً بامتلاك أكبر قدر من البيانات، فإن غوغل تمتلك أفضلية لا يمكن لأي منافس تجاوزها بسهولة»، ويضيف أن هذه الأفضلية لا تعود إلى تفوق تقني بحت، بل إلى استغلال غوغل لاحتكارها لسوق البحث.
ورغم ذلك، لا يخلو «جيميني 3» من العيوب؛ إذ لا يزال يعاني من بعض المشكلات التقنية، وقد يفشل في تنفيذ مهام معقدة مثل تصحيح أخطاء قواعد البيانات الضخمة، كما أن سياسات الأمان المشددة فيه تُقيّد أداءه في بعض الحالات.
لكن برغم هذه التحديات، يبدو أن النموذج يتقدم بخطوة على منافسيه، وقد يستمر هذا التفوق ما لم تتغير قواعد اللعبة.
هل انتهى السباق قبل بدايته؟
يرى برينس أن أحد الحلول المطروحة لتحقيق قدر أكبر من العدالة يتمثل في فصل روبوتات الزحف الخاصة بالذكاء الاصطناعي لدى جوجل عن تلك المستخدمة في محرك البحث، بحيث تخضع لنفس الشروط التي تلتزم بها بقية الشركات.
وأوضح أنه ناقش هذه الفكرة مع الجهات التنظيمية، ويضغط حالياً على هيئة المنافسة والأسواق البريطانية لفرض قواعد أكثر صرامة تتيح للشركات الناشئة فرصة حقيقية للمنافسة.
وفي أكتوبر، منحت الهيئة البريطانية محرك بحث غوغل صفة «السوق الاستراتيجي» بموجب قانون الأسواق الرقمية الجديد، ما يفتح الباب أمام فرض لوائح تنظيمية إضافية على آلية عمله.
في المقابل، تحذرجوجل من أن التنظيم المفرط قد يعرقل الابتكار ويبطئ إطلاق المنتجات الجديدة، مؤكدة أنها توفر بالفعل أدوات تمكّن الناشرين من التحكم في كيفية وصول روبوتاتها إلى محتواهم.
لكن برينس يحذر من أن غياب تدخل تنظيمي واضح قد يؤدي إلى حسم سباق الذكاء الاصطناعي مبكراً، تماماً كما حدث في سوق البحث، قائلاً: «لا يمكن السماح باستخدام احتكار في مجال لبناء احتكار جديد في مجال آخر».
ويختتم بالقول إن العالم قد يكون أمام لحظة حاسمة، إما أن تُوضع قواعد تضمن المنافسة العادلة، أو أن يصبح الذكاء الاصطناعي مجالاً تهيمن عليه شركة واحدة، في سيناريو يراه «غير عادل على نحو جذري».

