بورفؤاد.. 99 عامًا على "المدينة الملكية" نقلت مصر من أفريقيا إلى آسيا|صور
تعد مدينة بورفؤاد واحدة من أيقونات العمارة والتخطيط في الدولة المصرية الحديثة، فهي لم تكن مجرد توسع عمراني لمدينة بورسعيد الباسلة، بل كانت تجسيداً لحلم ربط الشاطئ الأفريقي بالآسيوي عبر واحة معمارية فريدة.
بدأت الحكاية في الخامس والعشرين من أبريل عام 1859، حين ضرب أول معول لحفر قناة السويس، في الموقع الذي ولدت فيه بورسعيد على الضفة الغربية، وظلت الضفة الشرقية لعقود طويلة أرضاً بكرًا وقاحلة، لا يقطع صمتها سوى مبنى "الكارنتينا" أو الحجر الصحي الذي أُنشئ عام 1901 لعزل المسافرين المصابين بأمراض معدية، قبل أن تفرض الضرورة الاقتصادية والمهنية واقعاً جديداً استلزم بناء مدينة ملوكية تليق بموقع مصر الاستراتيجي.
مع تعاظم حركة الملاحة العالمية وزيادة حمولات السفن العابرة للقناة، وجدت شركة القناة نفسها مضطرة لإنشاء ورش ومخازن ضخمة في الضفة الشرقية لاستيعاب ضغط العمل المتزايد ونشاط إصلاح السفن. ومع انتقال مئات العمال والمستخدمين للعمل في تلك الورش، بدأت ترتفع أصوات الشكوى من قسوة الظروف المعيشية في منطقة محرومة من الخدمات الأساسية، ومقارنة بزملاء العمل في بورسعيد، شعر عمال الضفة الشرقية بعزلة شديدة في تلك الأرض القاحلة.
هذا الواقع دفع شركة القناة للدخول في مفاوضات شاقة مع الحكومة المصرية استمرت خمس سنوات، انتهت بالموافقة الرسمية في مطلع مايو 1925 على استغلال تلك الأراضي لإنشاء مدينة سكنية متكاملة، لتكون وطناً جديداً لعمال ومستخدمي الشركة.
الاسم الملكي والطراز الأوروبي الفريد
في مراحل التخطيط الأولى، كانت النية تتجه لإطلاق اسم "بورسعيد الشرقية" على المدينة الوليدة، إلا أن المجلس البلدي لبورسعيد قرر في نوفمبر 1920 منحها اسم "بورفؤاد" تيمناً بالسلطان فؤاد الأول، الذي أصبح ملكاً لاحقاً.
ولم تدخر شركة القناة جهداً في تصميم المدينة، حيث وضعت المخططات الهندسية وفق أحدث صيحات تخطيط المدن في العالم آنذاك، مستوحاة بالكامل من الطراز الفرنسي الراقي الذي يجمع بين الفخامة والاتساع، مع التركيز على تعدد المتنزهات والميادين العامة والمساحات الخضراء، لتتحول بقعة الرمال الأسيوية في سنوات قليلة إلى قطعة من باريس، تتراص فيها الفيلات والمباني ذات القباب والمداخل الكلاسيكية التي لا تزال شاهدة على عظمة تلك الحقبة حتى اليوم.
الافتتاح الأسطوري ووصول اليخت المحروسة
بلغت الإثارة ذروتها في الحادي والعشرين من ديسمبر عام 1926، وهو اليوم الذي اختاره الملك فؤاد الأول لافتتاح المدينة رسمياً. بدأت المراسم بوصول اليخت الملكي "المحروسة" إلى ميناء بورسعيد في الليلة السابقة، حيث رست أمام مبنى القبة الحالي وسط استعراضات بحرية وموسيقات وطنية وأضواء كاشفة حولت ليل القناة إلى نهار.
وفي يوم الافتتاح، تزينت بورسعيد وبورفؤاد بحلة قشيبة من الزينات الكهربائية التي غطت واجهات المساجد والكنائس والمباني الحكومية، وتوافد الآلاف من كافة أرجاء البلاد لمشاهدة الموكب الملكي. وشهد الحفل حضوراً دولياً رفيعاً تمثل في المندوب السامي البريطاني "اللورد لويد" الذي وصل على متن البارجة "كونكورد"، في مشهد يعكس الأهمية السياسية والدولية التي كانت تحظى بها المدينة والقناة في ذلك الزمان.
كبسولة الزمن وكنوز تحت حجر الأساس
لم يكن حفل الافتتاح مجرد بروتوكول رسمي، بل شهد طقوساً تاريخية فريدة في موقع بناء المجلس البلدي. فقد وضع الملك فؤاد الأول حجر الأساس الذي احتوى على تجويف خاص وُضعت فيه وثيقة الافتتاح الرسمية المكتوبة بخط عربي بديع، والى جوارها علبة حريرية تضم أربع قطع ذهبية من فئات مختلفة، وماسورة نحاسية بداخلها أنبوبة زجاجية لحماية الوثيقة من عوامل الزمن. واستخدم الملك في تلك المراسم "مسطريناً" من الفضة الخالصة ومطرقة من خشب الأبنوس المزين بالذهب والتاج الملكي.
هذه "الكنوز" التي دفنت في باطن الأرض، دفعت الصحفيين حينها للمزاح بأنها ستكون مطمعاً لعلماء الآثار في القرون القادمة، تماماً كما حدث مع مقبرة توت عنخ آمون، لتوثق ميلاد آخر المدن الملوكية على أرض الكنانة.
صدى عالمي لمدينة هادئة وجميلة
انتقلت أصداء افتتاح بورفؤاد إلى كبرى الصحف العالمية، وعلى رأسها "التايمز" اللندنية التي أثنت في تقاريرها على نظافة المدينة وتنظيمها وتفردها بالهدوء بعيداً عن ضجيج المناطق التجارية.
ورغم الآمال الكبيرة التي عقدت آنذاك بأن تصبح بورفؤاد نقطة الانطلاق الرئيسية لخط السكك الحديدية الفلسطيني نحو القنطرة، إلا أن القدر أراد لها أن تظل ضاحية سكنية هادئة وراقية، وملاذاً جمالياً يحمل اسم الملك وروح التاريخ.
واليوم، وبعد مرور 99 عاماً على تلك اللحظات، تظل بورفؤاد شاهداً حياً على عبقرية المكان والإنسان، والمدينة التي ينقل فيها "المعدية" المسافرين من قارة أفريقيا إلى آسيا في دقائق معدودة، ليدخلوا عالماً من السحر المعماري الذي بدأ بضربة معول في رمال القناة.




