تحلُ غداً الذكرى الـ ١٥٦ لافتتاح قناة السويس، حين تعانقت مياه البحرين الأحمر والأبيض لأول مرة في ١٧ نوفمبر ١٨٦٩م، لتقدم مصر هديتها الأولى للعالم، ممراً ملاحياً دولياً، يختصر المسافات، ويوفر النفقات، ويُعزز مسارات التجارة بين القارات.
من حسن الطالع أن تحل هذه الذكرى مصحوبة ببارقة أمل في كسر انعكاسات التوتر الإقليمي الذي شهدته منطقة باب المندب - بعد أحداث ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ - على المعدلات المعهودة لحركة الملاحة في ممر قناة السويس الحيوي، وأعني هنا مُخرجات اللقاء الذي جمع - افتراضياً - الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، بمسئولي مجموعة "ميرسك" العالمية، في ٦ نوفمبر الجاري، وشهد الإفصاح عن مسارات تعاون لتقدير موعد عودة أسطول المجموعة للعبور عبر قناة السويس، في ضوء المؤشرات الإيجابية لتطورات الأوضاع بمنطقة البحر الأحمر، مع التأكيد على أن قرار "ميرسك" حينها لن يكون تنفيذ رحلات تجريبية وإنما العودة الكاملة للإبحار في المنطقة كأول خط ملاحي يقوم بتغيير جداول إبحاره إيذاناً بعودة الأمور إلى طبيعتها.
والحقيقة أن نتائج هذا اللقاء، تُمثل في حد ذاتها مؤشراً باعثاً على الأمل، حتى وإن اقترنت بإجراءات مرتقبة، في مقدمتها الاتفاق على عقد اجتماع لاحق يضم القيادات التنفيذية للمجموعة الملاحية العالمية، مع فريق العمل بقناة السويس، في مقر الهيئة، لدراسة فرص وآليات عودة أسطول المجموعة للعبور عبر قناة السويس، ومما لاشك فيه أن القرار الإيجابي المأمول من جانب المجموعة الملاحية الأشهر عالمياً سيمثل قاطرة تجذب عدداً آخر من التوكيلات الملاحية الدولية لتوجيه دفة اساطيلها مجدداً تجاه قناة السويس.
إن قرار "ميرسك" المنتظر لن يكون المحرك الوحيد لعودة ثقل الملاحة الدولية لقناة السويس، حيث تعكس متابعة نشاط هيئة قناة السويس خلال العامين الماضيين، إلى أن الأزمة الأخيرة لم تثني عزيمتها عن مواصلة جهودها في تطوير المجرى الملاحي، وتعزيز إمكانات القناة، في مجالات النقل، والخدمات البحرية واللوجستية المقدمة للسفن العابرة، وتأهيل مصر لتكون مركزاً اقليمياً رائداً في مجال إمداد السفن بالوقود الأخضر، والتي تتكامل مع جهود وزارة النقل في رفع قدرات الموانئ المصرية الداعمة لحركة التجارة الدولية، وبالتالي فإن السفن التي ستعود للمرور مجدداً عبر قناة السويس لن تجد الوضع مُشابهاً لما كان؛ حين دفعها التوتر الإقليمي إلى تغيير وجهتها نحو مسارات أخرى أكثر طولاً وتكلفة، بل ستندهش بحجم التطور المتحقق.
إن مواصلة خطط التحديث لقدرات قناة السويس، رغم تأثر إيراداتها سلباً منذ الأحداث التي تفجرت في منطقة البحر الأحمر دون تمهيد، يعدُ دليلاً دامغاً على رؤية استراتيجية مستقبلية لإدارة هيئة قناة السويس، التي لا تنظر إلى حيث تقف، بل تتطلع نحو أفق بلا نهاية، بطموح يعانق السماء، وعزيمة لا تعرف المستحيل، تجلت أمام أنظار العالم في مواقف فارقة، لعل أكثرها سطوعاً خلال السنوات الماضية؛ ملحمة تعويم سفينة الحاويات العملاقة "ايفرجيفن" بعد جنوحها بالقناة عام ٢٠٢١ وتعطيل حركة قافلتي الشمال والجنوب لستة أيام كاملة، والتي أعيد تعويمها بعقول وأيدي مصرية، ومعدات ووحدات وطنية، لتتجدد الثقة في جاهزية قناة السويس التامة لكل طارئ، والسرعة في مواجهة كل تحدٍ، لتظل دائماً الممر الأسرع والأقصر والأكثر استدامة.
التحدي الراهن ليس الأول الذي يفرض ظلاله على قناة السويس، ومع كل تحدٍ تنتصر مصر، فكما روى التاريخ كيف أوفت الدولة بالتزاماتها عقب قرار تأميم شركة إدارة القناة عام ١٩٥٦، ونجاح المُرشدين المصريين في انتظام تسيير الملاحة بها بعد يومين فقط من انسحاب المُرشدين الأجانب، فقد قصَّ كيف تجاوزت مصر أزمة تعطل القناة نتيجة عدوان عام ١٩٦٧ لتعود لاستقبال حركة الملاحة العالمية في عام ١٩٧٥، وسينصف التاريخ مصر حين تتجاوز تبعات أزمة اقليمية فرضت أثارها، لتعود قناة السويس أقوى مما كانت، جاذبة لأساطيل العالم للنفاذ عبر هذا الشريان العالمي الذي لا يضاهيه شريان آخر.