رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

محمد زايد: الحرب الروسية الأوكرانية كشفت عن سياسة مصر بالتعامل مع الأزمات

السفير الدكتور محمد
السفير الدكتور محمد بدر الدين زايد

قال السفير الدكتور محمد بدر الدين زايد، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، إن السياسة الخارجية المصرية شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في أدواتها ومساراتها، في ظل عالم بات أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أي وقت مضى، ورغم تغير السياق الدولي وتعدد مراكز القوة، حافظت مصر على أحد أهم ثوابتها التاريخية، وهو رفض الانضمام إلى أي أحلاف عسكرية، مقابل التوسع في بناء تحالفات سياسية وشراكات استراتيجية تخدم المصالح الوطنية وتدعم الاستقرار الإقليمي والدولي.

جذور تاريخية لرفض الأحلاف العسكرية

وأضاف زايد، خلال لقاء على شاشة القناة الأولى، إن رفض الأحلاف العسكرية ليس توجهًا مستحدثًا في السياسة المصرية، بل يمتد بجذوره إلى ما قبل ثورة يوليو 1952، فقد بدأت هذه السياسة خلال حكومة الوفد عام 1950، حين رفض وزير الخارجية آنذاك محمود صلاح الدين العروض المقدمة لانضمام مصر إلى ترتيبات عسكرية غربية، رغم وجود القاعدة البريطانية في منطقة قناة السويس، ورغم أن مصر كانت دولة مستقلة رسميًا، لها علم وجيش ومؤسسات، فإنها تعاملت مع الوجود العسكري البريطاني باعتباره وضعًا استثنائيًا لا ينتقص من مبدأ الاستقلال، واستمر هذا النهج لاحقًا في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، الذي رغم قوة علاقته بالاتحاد السوفيتي، لم يقبل في أي مرحلة الانضمام إلى تحالف عسكري، مكرسًا مبدأ الاستقلالية في القرار الوطني.

وأوضح، أنه في هذا السياق، جاء الكتاب الأبيض المصري، ليقدم رصدًا شاملًا لتطور علاقات مصر الخارجية خلال العقد الأخير، موثقًا كيف سعت الدولة إلى تنويع شراكاتها وفتح مسارات جديدة للتعاون في عالم يتسم بتغيرات متسارعة، والكتاب يسلط الضوء على الجهود المصرية لبناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، بعيدًا عن سياسة المحاور، بما يعزز قدرة الدولة على الحركة والمناورة السياسية، ويخدم مصالحها الاستراتيجية في مختلف الملفات.

الحرب الأوكرانية كنموذج للاتزان المصري

ولفت إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية، تعد نموذجًا واضحًا لنهج مصر المتوازن في التعامل مع الأزمات الدولية، فعندما اندلعت الحرب، سعت الولايات المتحدة إلى حشد العالم خلفها لعزل روسيا وفرض عقوبات شاملة عليها، في إطار ما وصفه البعض بالحرب الصليبية السياسية، فقد اتخذت مصر موقفًا مبدئيًا واضحًا، إذ صوتت لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، التزامًا بثوابتها الرافضة لاحتلال أراضي الدول بالقوة. 

وفي الوقت نفسه، رفضت القاهرة الانخراط في سياسة عزل روسيا أو قطع العلاقات معها، مؤكدة استقلال قرارها الخارجي.

وأشار السفير محمد زايد، إلى أن هذا الموقف يعكس قدرة مصر على الجمع بين المبادئ والمصالح، حيث حافظت على علاقاتها القوية مع كل من روسيا وأوكرانيا، وشاركت في جهود الوساطة، بما في ذلك مشاركة مصر في بعثة الاتحاد الإفريقي التي زارت أوكرانيا، ورغم المخاوف الأولية من تأثير هذا التوازن على العلاقات المصرية الأمريكية، نجحت القاهرة في الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن، مستفيدة من إدراك متزايد لدى القوى الكبرى بأهمية الدور المصري واستقلالية قراره.

وعي عربي بالمعايير المزدوجة

ولفت إلى أن الحرب الأوكرانية كشفت أيضًا عن حالة شبه توافق بين الرأي العام العربي والمواقف الرسمية، في ظل إدراك واسع للمعايير المزدوجة التي يتعامل بها الغرب مع الأزمات الدولية، فبينما حظيت أوكرانيا بتعاطف عالمي واسع، ظلت معاناة الشعوب العربية، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، غائبة عن الاهتمام الغربي الجاد لعقود، وهذا الوعي انعكس في تحفظ واضح تجاه السردية الغربية، ليس تبنيًا للرواية الروسية، بل رفضًا لازدواجية المعايير، وهو ما يتقاطع مع الموقف المصري المتزن.

وأكد مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن التحركات المصرية أن الدولة لم ولن تقبل مبدأ احتلال الأراضي بالقوة، أو الانخراط في أحلاف عسكرية، وهي الثوابت التي التزمت بها عبر تاريخها الطويل، منذ دعمها لحركات التحرر الوطني، واعترافها المبكر باستقلال دول مثل إندونيسيا في أربعينيات القرن الماضي، وتلك الثوابت، إلى جانب سياسة تنويع الشراكات، تمثل اليوم حجر الزاوية في الدور المصري إقليميًا ودوليًا، في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو التعددية القطبية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء