إثيوبيون يدفعون من أجسادهم ثمن الحرب بين الحكومة وميليشيا فانو
ما زال الملايين من الإثيوبيين يعانون وسط صراع محتدم بين الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا وقوات إقليم أمهرة ميليشيا “فانو” في حرب راح ضحيتها الآلاف ومستمرة منذ 3 سنوات.
قبل بضعة أشهر، كان المزارع بيليتي ميلكي يحتمي من أمطار غزيرة في قرية نائية بإقليم أمهرة، عندما اندلع فجأة إطلاق نار من حوله، وقال لوكالة فرانس برس بعد أن أصيب برصاصة طائشة: «كنا عالقين وسط تبادل إطلاق النار».
يُعد شمال إقليم أمهرة ثاني أكثر أقاليم إثيوبيا اكتظاظًا بالسكان، إذ يقطنه نحو 23 مليون نسمة، وقد شهد ما يقرب من ثلاث سنوات من الصراع بين الجيش الفيدرالي وميليشيات فانو، وهي جماعات دفاع ذاتي في الإقليم.
ولا تتوفر معلومات عامة كافية عن هذا النزاع، الذي يمتد عبر مناطق تنصح السفارات الأجنبية مواطنيها بتجنبها بسبب القتال ومخاطر الخطف. ولم تُعلن السلطات أي حصيلة رسمية للضحايا، رغم أنها مرتفعة.
بحسب تقرير صحيفة “صانداي ستاندرد”، سافر بيليتي بعد إصابته إلى العاصمة أديس أبابا لتلقي العلاج، وقال: «في أديس أبابا، أخبروني أن أحد عروقي قد قُطع، وأن ساقي لن تعود تعمل»، وأضاف: «بكيت بحرقة، ثم قاموا ببتر ساقي».
ويعود جذور النزاع الحالي إلى حرب تيجراي (2020–2022)، التي أودت بحياة أكثر من 600 ألف شخص، وفقًا للاتحاد الإفريقي.
وشعر مقاتلو فانو، مثل كثيرين في إقليم أمهرة، بالخيانة بعد اتفاق السلام الموقع في نوفمبر 2022، رغم دعمهم السابق للحكومة في قتال قوات تيجراي المجاورة.
وبلغ التوتر ذروته في أبريل 2023 عندما حاولت الحكومة الفيدرالية نزع سلاح فانو وقوات أمهرة، ما أدى إلى اندلاع القتال، كما فشل حالة الطوارئ الإقليمية التي فُرضت لمدة عام في وقف العنف.
وقال بيليتي: «لا أستطيع فهم هذه الحرب». وأضاف:«عندما تلتقي مقاتلي فانو يقولون إنهم يقاتلون من أجل بلدنا إثيوبيا، وعندما تلتقي قوات الدفاع الوطني الإثيوبي، يقولون الشيء نفسه: إنهم يقاتلون من أجل إثيوبيا».
المدنيون في خط المواجهة
أيًّا كان الطرف الذي يقاتل، فإن المدنيين هم من يقفون في الصفوف الأمامية.
وتقدّر منظمة اليونيسف أن نحو 4.5 ملايين طفل خارج مقاعد الدراسة في إقليم أمهرا، بينما تشير تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن عدد النازحين تجاوز 600 ألف شخص.
وقال مصدر أمني لوكالة فرانس برس، طلب عدم الكشف عن هويته:«القوات الفيدرالية تسيطر إلى حد كبير على المدن، بينما تسيطر فانو على المناطق الريفية».
ويتهم الطرفان بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين؛ إذ تُتهم قوات فانو بعمليات خطف مقابل فدية، فيما تُتهم القوات الفيدرالية بتنفيذ ضربات بطائرات مسيّرة.
في مركز طبي فيدرالي بمدينة بحر دار، عاصمة إقليم أمهرة، كان الشاب يوسف ديباسو (19 عامًا) يتمايل وهو يتمسك بقضبان متوازية، محاولًا تعلم المشي من جديد باستخدام طرفه الاصطناعي.
ورغم إحباطه، فإنه عبّر عن امتنانه للرعاية المقدمة بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وبعد أن ترك الدراسة بسبب الحرب، اشترت له عائلته مركبة «توك توك» ليعمل عليها، لكنه دهس عبوة ناسفة بدائية الصنع في منطقة متنازع عليها، ما أدى إلى تدمير المركبة وبتر ساقه، حاول الأطباء إنقاذها، لكن لم يكن هناك خيار سوى البتر.
وقال:«الطرف الاصطناعي جعلني أشعر وكأنني وُلدت من جديد».
وفي غرفة أخرى، كان فني الأطراف الصناعية باشاوغيزه جيتي (33 عامًا) يقوم بتلميع طرف اصطناعي. وأوضح أن حرب تيجراي أنهكت قدرات المرافق الصحية، وأن القتال الجديد في أمهرا زاد من عدد المصابين.
وقال:«نحن نكافح لاستيعابهم»، مضيفًا أن نقاط التفتيش تعيق وصول العديد من الجرحى إلى الرعاية الطبية.
وتخشى اللجنة الدولية للصليب الأحمر من تفاقم الوضع.
وقالت سابرينا دينونك، ممثلة اللجنة في بحر دار: «نرى أن القوات تعمل على تعزيز قدراتها»، في إشارة إلى مقاتلي فانو وجماعات مسلحة أخرى.
ورغم أن القتال خفّ في بلدة ميراوي بما يسمح ليوسف بالعودة إلى المدرسة، فإنه لا يزال يشعر بالخوف، قائلاً: «عندما يأتي أحد الأطراف ويطلب منا الذهاب إلى المدرسة نذهب، ثم يأتي الطرف الآخر ويطلب منا التوقف، ويبدأ القتال من جديد. هذه هي حياتنا».

