«دوشة كراسي» في «بيت الأمة».. لماذا لا يهدأ الصراع في حزب الوفد؟|تقرير
لا يُختزل "بيت الأمة" القابع في 1 بولس حنا بالدقي، كونه مجرد مقر إداري لـ حزب الوفد السياسي، بل هو "مسرح الموائمات والمؤامرات السياسية" عبر عقد من الزمن.
الحزب الذي شهد أعنف فصول التحولات الدراماتيكية في الساحة السياسي المصرية، منذ أن صاغت ثورة 1919 شرعيته بقلم الكفاح الوطني ضد المحتل تارة وفساد السراي تارة أخرى، وصولاً إلى بعثه "جديداً" في سبعينيات القرن الماضي علي يد أخر الباشوات فؤاد سراج الدين، ظل الوفد عصياً على الانكسار قد يشيخ ولكن لا يموت، لكنه ظل أيضاً مطارداً بـ "لعنة الكراسي" وهواجس الانشقاقات التي لم تفتئ تضرب جدرانه العتيقة.
اليوم، وبينما تهتز أروقة الحزب على وقع مطالبات عاصفة برحيل رئيسه الحالي "عبد السند يمامة"، تطل الأزمة برأسها من جديد لتطرح تساؤلات تتجاوز شخوص التنافس لـ أيدلوجيات وخلفيات تاريخية قديمة.
فنحن لسنا بصدد خلاف إداري، بل أمام مواجهة مصيرية بين "إرث الليبرالية الوطنية" التي أسسها سعد زغلول، وبين واقع مأزوم تفرضه "القرارات الفردية" التي أعادت الحزب مراراً إلى نقطة الصفر.
عاش الوفد في الذاكرة التاريخية باعتباره "الابن البكر" للحركة الوطنية والوريث الشرعي للدولة المدنية التي ارسى قواعدها دستور 1923، غير أن الحزب الذي أدار دفة الحكم لعقود قبل عام 1952، بتولي رئاسة الوزراء وتشكيل البرلمان والحكومة يجد نفسه الآن في مهب اختبار دقيق.
فبين طموحات تجدد الرئاسة التي تداعب أحلام قادته، وعواصف الانقسام التي تهدد البيت بالعواصف أو التهميش السياسي، يبدو الوفد كمن يقف على حد الموسى.
فهل تكون صناديق الاقتراع وسيلة لاستعادة مجد غابر، أم أن "كبوة" الجواد الوفدي هذه المرة قد تكون إيذاناً بدخول النفق الأخير؟
في هذا التقرير عبر إيجبتكِ، نفتح دفاتر "الوفد" المترعة بالصراعات، لنقرأ كيف تحول "حزب الأغلبية التاريخية" إلى ساحة لتصفية الحسابات، وهل لا يزال "بيت الأمة" قادراً على احتواء أبنائه من جيل الوسط، أم أن رياح التغيير ستطيح بما تبقى من أعمدة الليبرالية المصرية؟
البعث من الرماد..فؤاد سراج الدين يُعيد الروح لـ "بيت الأمة"
بدأ الفصل الحديث من تاريخ الوفد في أغسطس 1977، حين قرر القطب الوفدي الشهير فؤاد باشا سراج الدين إعادة الروح للحزب الذي حُلَّ عقب ثورة يوليو، وفي خطبة تاريخية بنقابة المحامين، أعلن تأسيس حزب "الوفد الجديد"، وتقدم رسمياً بالأوراق في يناير 1978.
ورغم حصول الحزب على الشرعية، إلا أن "شهر العسل" مع سلطة الرئيس السادات لم يدم طويلاً، الذي كان يصف سراج الدين بأنه لويس التاسع عشر.
وواجه الحزب تضييقاً سياسياً حاداً دفع سراج الدين لتجميد النشاط اختيارياً في يونيو 1978، قبل أن تنتهي تلك الحقبة باعتقالات سبتمبر 1981 الشهيرة التي طالت الباشا وبعض قيادات الوفد.

حقبة مبارك.. العودة للمعارضة الليبرالية القوية
مع تولي الرئيس حسني مبارك السلطة، استنشق الوفد الصعداء، وعبر معارك قضائية ناجحة، رُفع "العزل السياسي" عن قادته.
ومن قصر سراج الدين بجاردن سيتي، أعلن الدكتور نعمان جمعة "النائب الأول لرئيس الحزب" في 1984 عودة الحزب للعمل السياسي الكامل.
شهدت تلك الفترة ذروة القوة البرلمانية للوفد، حيث خاض انتخابات 1984 متحالفاً مع الإسلاميين وحصد 57 مقعداً، ثم خاض انتخابات 1987 منفرداً وحصل على 35 مقعداً، قبل أن يبدأ منحنى التراجع بدخول الحزب في دوامة المقاطعة احتجاجاً على قانون الطوارئ وغياب الضمانات.

زلزال رحيل "الباشا" وصراع الورثة
في 9 أغسطس 2000، رحل فؤاد سراج الدين تاركاً فراغاً سياسيا لم يستطع أحد ملأه بالكامل.
انفجر صراع "تركة الزعيم" بين 6 مرشحين،وبين جناحين مختلفين في الحزب
فريق يرى الخروج برئاسة الحزب الى طبقة أخرى مختلفة عن الباشوات، وفري ق يرى الحفاظ على التركيبة الإقطاعية التي تركها الباشا في الحزب وتزعمه فؤاد بدراوي.

وانتهى المعركة بفوز الدكتور نعمان جمعة على أقوى المنافسين فؤاد بدراوي حفيد الباشا بنسبة 78% من أصوات الجمعية العمومية.
ومع هذا الصعود، بدأت بوادر التغيير الهيكلي، حيث تم تعديل لائحة الحزب لتحديد مدة الرئاسة بفترتين فقط، سعياً لتكريس العمل المؤسسي بدلاً من "الزعامة الأبدية".
"أبريل الأسود".. حين تحول الخلاف السياسي من التصويت للتصويب بالرصاص
تعتبر سنة 2006 النقطة الأكثر ظلاماً في تاريخ الوفد الحديث، فبعد حصول نعمان جمعة على المركز الثالث في انتخابات الرئاسة 2005 (وهي النتيجة التي وصفها الوفديون بالهزيلة)، انفجر بركان الغضب.
قررت الهيئة العليا (جبهة الـ 35 بقيادة محمود أباظة الذي كان رئيس لشباب الحزب لعدة سنوات ساهمت في فرض وجوده) عزل جمعة، لتتحول الأزمة في الأول من أبريل 2006 إلى مواجهة دامية، بين فريق جمعة الذي يترأسه احمد ناصر نائب كرداسة، وفريق يتزعمه محمود أباظة الذي اختير كواجهة من طبقة الباشوات لتزعم الانشقاق.

و شهد مقر الحزب في بولس حنا اشتباكات بالرصاص والزجاجات الحارقة، أسفرت عن إصابة 23 شخصاً واحتراق أجزاء من القصر التاريخي. وانتهت الأزمة بتدخل قضائي حسم النزاع لصالح محمود أباظة، الذي استمر في رئاسة الحزب حتى الانتخابات في عام 2010.
تداول السلطة تحت الشعار الليبرالي.. معركة أباظة والبدوي
في مايو 2010، قدم الوفد نموذجاً نادراً للتداول السلمي، حيث تنافس محمود أباظة ضد سكرتيره العام السابق الدكتور السيد البدوي.
وتحت شعار "معاً من أجل التغيير"، نجح البدوي في انتزاع الرئاسة بفارق 209 أصوات، ليبدأ حقبة استمرت لمدتين متتاليتين، شهدت تحديات سياسية كبرى وغياباً عن المشهد الرئاسي لثلاث دورات متتالية.
انتخابات الوفد 2018 "صراع الهوية" بين الخبرة القانونية وطموح الشباب
في مارس 2018، حبست الأوساط السياسية المصرية أنفاسها وهي تتابع انتخابات رئاسة حزب الوفد، فلم تكن مجرد عملية اقتراع لاختيار خليفة للدكتور السيد البدوي، بل كانت سباقاً بين 3 مدارس فكرية وتنظيمية مختلفة حاولت رسم ملامح مستقبل أعرق الأحزاب الليبرالية.
3 وجوه لمستقبل واحد
انحصرت المعركة بين 3 قامات وفدية، لكل منها ثقلها الخاص.
المستشار بهاء الدين أبو شقة، الفقيه القانوني وسكرتير عام الحزب آنذاك، الذي دخل المعركة متسلحاً بدعم "الحرس القديم" وخبرته القانونية والبرلمانية الطويلة.
المهندس حسام الخولي، نائب رئيس الحزب حينها ورئيس اتحاد الشباب الوفدي لعدة سنوات، والذي اعتمد على شعبيته الكبيرة بين القواعد الشبابية والتنظيمية، مراهناً على رغبة الوفديين في ضخ دماء جديدة.
الدكتور ياسر حسان، مساعد رئيس الحزب ورئيس اللجنة الإعلامية، الذي قدم رؤية عصرية تهدف لتطوير الحزب مؤسسياً وإعلامياً ليواكب لغة العصر.
الهيئة الوفدية تختار "رجل القانون"
اتسمت الأجواء الانتخابية بالسخونة ،وتوافد آلاف الوفديين من كافة المحافظات على المقر التاريخي بالدقي.
وجاءت النتائج لتعكس رغبة "الجمعية العمومية" في اختيار الاستقرار والخبرة القانونية في تلك المرحلة،
بهاء الدين أبو شقة: حصد المركز الأول بـ 1384 صوتاً، ليصبح رئيساً للوفد.
حسام الخولي: حل ثانياً في منافسة شرسة بحصوله على 900 صوت.
ياسر حسان: جاء في المركز الثالث بـ 193 صوتاً.
مابعد الصندوق.. زلزال الاستقالات
رغم المشهد الديمقراطي الذي انتهت به الانتخابات، إلا أن تبعاتها كانت ثقيلة، حيث شهدت الفترة التي تلت فوز "أبو شقة" خروج عدد من القيادات التاريخية والشبابية، وعلى رأسهم حسام الخولي الذي انتقل لاحقاً لحزب مستقبل وطن، مما فتح باب الجدل حول قدرة الوفد على الاحتفاظ بكوادره بعد المعارك الانتخابية الداخلية.

البروفيسور يُطيح بـ "وكيل الشيوخ" في ليلة سقوط الكبار
شهد عام 2022 واحدة من أكثر اللحظات إثارة في التاريخ الحديث لحزب الوفد ، حيث كانت الانتخابات الرئاسية للحزب بمثابة "زلزال سياسي" لم تتوقعه مراكز القوى التقليدية داخل القلعة الليبرالية بالدقي.
المواجهة.. الأستاذ في مواجهة القطب
دخلت المعركة الانتخابية ذروتها في مارس 2022 بين قطبين من العيار الثقيل:
بهاء الدين أبو شقة: رئيس الحزب (آنذاك)، ووكيل مجلس الشيوخ، والرجل الذي تمتع بنفوذ واسع وسيطرة على مفاصل الحزب لسنوات.
د. عبد السند يمامة: أستاذ القانون الدولي بجامعة المنوفية وعضو الهيئة العليا، الذي دخل السباق برهان على رغبة الوفديين في "التغيير الجذري" والعودة إلى العمل المؤسسي.
ليلة الحسم وصناديق المفاجآت
وسط حضور كثيف من أعضاء الجمعية العمومية (الهيئة الوفدية) الذين توافدوا من كافة محافظات مصر، جاءت النتائج لتعلن عن تحول درامي في موازين القوى:
حصد عبد السند يمامة 1668 صوتاً.
حصد بهاء أبو شقة 1548 صوتاً.
بفارق ضئيل بلغ 120 صوتاً فقط، أُعلن فوز يمامة رئيساً للوفد حتى عام 2026.

لم يكن فوز يمامة مجرد تغيير في الأسماء، بل اعتبره المراقبون "تصويت عقابي" ضد السياسات التي اتبعت في عهد أبو شقة، ورسالة واضحة بأن "بيت الأمة" لا يزال قادراً على ممارسة الديمقراطية الداخلية حتى في أصعب أوقاته.
ورغم هذا الفوز الذي جاء بشعار "الإصلاح"، إلا أن الولاية لم تخلُ من العواصف، حيث انتقلت الصراعات لاحقاً من صناديق الاقتراع إلى أروقة المحاكم والهيئة العليا، مما يثبت أن مقعد "خلافة سعد زغلول" يظل دائماً فوق صفيح ساخن.
الوفد في 2024.. أزمة "يمامة" وشبح الماضي
تكرر السيناريو الدرامي عقب الانتخابات الرئاسية في ديسمبر 2023، حيث واجه رئيس الحزب الحالي د. عبد السند يمامة عاصفة انتقادات بعد تذيله قائمة المرشحين.
تعالت الأصوات المطالبة باستقالته، محملين إياه مسؤولية القرار المنفرد بالترشح، في سيناريو يعيد للأذهان ما حدث مع نعمان جمعة قبل عقدين.
هل يبعث الوفد من جديد؟
يظل حزب الوفد "الابن البكر لثورة 1919" ولغزاً سياسياً بامتياز؛ فهو يمتلك التاريخ العريق، لكنه يفتقد التوافق الداخلي.
وحتى لحظات كتابة هذة السور أعلن كل من حمدي قوطة وعيد هيكل والسيد البدوي الذي رضخ لمطالبات جموع الوفديين الذين لقبوه بكبير العائلة الوفدية، عن عزمهم خوض انتخابات رئاسة حزب الوفد للجلوس على كرسي سعد زغلول.
وبينما يستعد الوفديون لصناديق الاقتراع من جديد، يبقى السؤال القائم: هل ينجح "بيت الأمة" في استعادة دوره كقائد للمعارضة الليبرالية، أم يظل أسيراً لـ "القرارات الفردية" والنزاعات القضائية التي قلصت تمثيله البرلماني إلى 26 نائباً فقط؟ الأمل يبقى في زعامة تجمع الشتات وتُعيد للحزب هويته التي شُيدت منذ عهد سعد زغلول.



