بين الأسطورة الشعبية والحقيقة التاريخية
هل يرتدي القساوسة الزي الأسود حدادًا على دخول العرب إلى مصر؟
أصبح الزيّ الأسود الذي يرتديه الكهنة الأقباط مشهدًا مألوفًا، سواء في الشوارع أو داخل الكنائس، لكنه ليس مجرد زيّ ديني أو تقليد كنسي، بل يحمل في طياته أبعادًا روحية وتاريخية عميقة، ارتبط بعضها بأساطير شائعة، أبرزها الاعتقاد بأنه "حداد على دخول العرب المسلمين إلى مصر". فهل في ذلك شيء من الحقيقة؟
أسطورة أم حقيقة؟
القمص صموئيل صلاح بولس، كاهن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في الولايات المتحدة الأمريكية، أكد لـ"إيجبتكِ" أن هذه الفكرة المتداولة لا أساس لها من الصحة.
وقال بولس إنه يشيع بين الناس خطأ يقول إن رجال الدين المسيحي يرتدون الزي الأسود حزنًا على دخول العرب مصر، وهو قول لا يصمد أمام الحقائق التاريخية.
وأوضح أن اللون الأسود في التراث الثقافي العالمي لا يرتبط دائمًا بالحزن، بل بالحشمة والوقار والهيبة، كما هو الحال في أروقة الجامعات عند مناقشات الرسائل العلمية، وفي المحاكم عند ارتداء القضاة والمحامين للبُدل السوداء.
وفي السياق الكنسي، أشار بولس إلى أن القديس أثناسيوس الرسولي، أحد أعمدة الكنيسة القبطية في القرن الرابع الميلادي – أي قبل دخول العرب إلى مصر بثلاثة قرون – أوصى بأن يكون رداء الكاهن بسيطًا، غير مزخرف، أسود اللون، يغطي الجسد بالكامل، وتغطي أكمامه الذراعين.
وعلى الصعيد التاريخي، فُرض على المسيحيين ارتداء اللون الأسود في فترات مختلفة، منها عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي في القرن العاشر، حيث أُجبر الأقباط على شد الزنار وارتداء العمائم السوداء، وكذلك في عهد السلطان العثماني مراد في القرن السادس عشر، وبعد زوال هذه السياسات، عاد الشعب إلى ملابسه المعتادة، بينما استمر الرهبان والكهنة في ارتداء الأسود، وفق القمص صموئيل صلاح بولس.
وتابع أن هذا اللون من الناحية الروحية يرمز إلى الشمول، حيث يمتص كل ألوان الطيف، كما ينبغي للكاهن أن يحتوي الجميع، غنيًا كان أم فقيرًا.
أما العمامة السوداء -وفق بولس- فتُذكر بإكليل الشوك الذي وُضع على رأس المسيح، والكم الواسع يرمز إلى صدر رحب يحتمل الجميع ويصبر على متاعبهم.

رمزية روحية لا حزن تاريخي
ويرى القمص يسطس وديع صبحي، كاهن كنيسة مارجرجس بإبشواي، أن الأسود ليس مجرد لون، بل يحمل رمزية لاهوتية عميقة، مؤكدًا أنه يعد تعبيرًا حيًا عن مفاهيم إيمانية ومواقف تاريخية صاغت هوية الكاهن القبطي عبر العصور.
وقال صبحي لـ"إيجبتكِ"، إنه روحيًا، يرمز هذا اللون إلى الموت عن العالم، وإعلان انفصال الكاهن عن شهوات الجسد وتكريسه الكامل للمسيح، كما قال القديس بولس الرسول: "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ" (غلاطية 2: 20).
وأشار إلى أن الأسود أيضًا علامة اتضاع وتواضع، فهو لون خالٍ من الزينة، يذكّر الكاهن والشعب بضرورة نبذ المظاهر والتفاخر. كما يرمز إلى المشاركة في آلام المسيح، ودعوة دائمة للتوبة والخلاص، وتذكير بأن الحياة الأرضية مجرد عبور نحو الأبدية.
من جانبه، يرى الدكتور يوسف نقولا عرموش، أن اللباس الأسود ليس مجرد عادة تقليدية، بل هو إعلان روحي عن الزهد والتجرد.
وأكد عرموش لـ"إيجبتكِ"، أن الناس يلبسون الأسود في العزاء كعلامة مشاركة وجدانية، فإن الكاهن يختار هذا اللون بشكل دائم كتعبير عن موتٍ رمزي عن الماديات، واستعداد دائم للقاء الروحي بالله.
وتابع أن في هذا اللباس تكمن رسالة صامتة لكنها بالغة المعنى، مفادها أن الكاهن قد نذر نفسه لما هو أبدي، متجردًا من كل ما هو زائل.

