كريم درويش: التحكم واتخاذ القرارات نيابة عن الأبناء يولد مشكلات نفسية
قال الدكتور كريم درويش، استشاري الطب النفسي، تُعد أساليب التربية من أكثر القضايا التي تشغل الأسر، خاصة في ظل التغيرات الاجتماعية والنفسية المتسارعة التي يعيشها الأطفال والمراهقون اليوم، وبينما تتعدد المدارس التربوية وتتباين المفاهيم، يبقى السؤال الأهم هنا: ما الأسلوب التربوي الأكثر أماناً وتأثيراً على الصحة النفسية للأبناء؟ وهل التساهل الزائد أفضل أم الحزم الصارم هو الحل؟.
طيف واسع من الأساليب التربوية
وأضاف درويش، خلال مداخلة على شاشة النيل للأخبار، إن الدراسات النفسية تشير إلى أن أساليب التربية تقع على طيف واسع يبدأ من التساهل المفرط مروراً بالتجاهل، وصولاً إلى الأسلوب السلطوي المتحكم، مؤكدًا أن كلا الطرفين غير مطلوب تربوياً، فالتساهل الذي يقوم على تلبية كل رغبات الطفل دون حدود، لا يقل خطورة عن التجاهل الذي يتجاهل احتياجات الطفل النفسية والتربوية تماماً، إذ يفقد الطفل في الحالتين الإحساس بالضبط والاحتواء، وفي المقابل، يلجأ كثير من الآباء والأمهات إلى الأسلوب السلطوي بدافع الحماية، انطلاقاً من نية طيبة مفادها أن الطفل أو المراهق غير قادر بعد على اتخاذ قرارات صحيحة، إلا أن الإفراط في التحكم واتخاذ القرارات نيابة عن الأبناء يفتح الباب لمشكلات نفسية عميقة.
وأوضح، إن التحكم الزائد والحماية المفرطة، يؤديان في كثير من الأحيان إلى نشوء مشاعر القلق والاكتئاب لدى الطفل، إذ يكبر وهو يشعر أن العالم مكان خطر، وأنه غير قادر على حماية نفسه أو اتخاذ قرار دون تدخل الوالدين، ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الشعور بالعجز إلى غضب وتمرد، ويظهر هذا التمرد في سلوكيات مختلفة، مثل العدوانية، أو إيذاء الذات، أو الانخراط في سلوكيات خطرة كالإدمان وتعاطي المخدرات، أو حتى إيذاء الآخرين، وهنا يتضح أن النية الطيبة وحدها لا تكفي، وأن الطريق إلى المشكلات النفسية غالباً ما يكون مفروشاً بنوايا حسنة.
الحزم الإيجابي الحل في المنتصف
وأكد استشاري الطب النفسي، إن بين هذين الطرفين، يبرز ما يُعرف تربوياً بأسلوب الحزم الإيجابي أو Authoritative Parenting، وهو الأسلوب الذي يجمع بين الوضوح في القواعد، والمرونة في التعامل، ومنح الطفل قدراً مناسباً من السلطة، وهذا الأسلوب يعترف بحقيقة مهمة، لا يمكن للآباء التحكم في كل شيء، خاصة مع تقدم الطفل في العمر، بينما يمكن ضبط سلوك الطفل الصغير بسهولة نسبية، يصبح التحكم الكامل في المراهق وصفة مؤكدة للتمرد، خصوصاً إذا كان هذا التحكم يتعارض باستمرار مع رغباته، وهنا يأتي دور الحزم المتوازن، الذي يضع حدوداً واضحة لما هو خطِر وغير قابل للنقاش، ويترك مساحة آمنة للاختيار والتجربة في الأمور غير الخطِرة.
وأشار الدكتور كريم درويش، إلى أن من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشاراً، الاعتقاد بأن التربية الحديثة أو الإيجابية تعني منح الطفل حرية مطلقة، وهذا غير صحيح على الإطلاق، فلا توجد مدرسة تربوية، قديمة أو حديثة، تدعو إلى تسليم الطفل كل أدوات القرار دون توجيه، فالتربية المتوازنة تعني أن يتحمل الوالدان مسؤوليتهم الكاملة في منع أي سلوك قد يهدد حياة الطفل أو مستقبله، وفي الوقت نفسه يتيحان له فرص الاختيار في الأمور البسيطة، مثل اختيار لعبة أو نشاط، حتى لو لم يكن الخيار مثالياً من وجهة نظر الكبار، حيث إن الطفل يتعلم ليس فقط بالنصح، بل بالتجربة والخطأ أيضاً.
