رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شفيقة.. «أسطى» الكاسيت وأسطورة الأفراح الشعبية التي هزت عرش عدوية ورشدي

شفيقة
شفيقة

في وقت كانت تتوارى فيه أصوات الطرب المعتادة، وتغيّرت الذائقة الفنية لدى قطاع كبير من الجمهور؛ زمن اختفت فيه أصوات الهتافات وأحلام القومية العربية، وأخذ الانفتاح نصيبه من كل شيء في حياة المصريين، خرج صوت شعبي جديد يتماشى مع العصر؛ ربما جاء مختلفًا عن النوعية التي اعتادها الجمهور، لكنه كان أقرب إلى الحالة المزاجية لدى قطاع واسع تغيّرت طبقته وطُحنت هويته بين قومية وعروبية وإسلامية، وأفكار اشتراكية ثم رأسمالية. من هنا جاءت شفيقة الطنطاوية.

لم تكن شفيقة كمن سبقوها في الغناء الشعبي مثل محمد رشدي ومحمد العزبي أو حتى أحمد عدوية، لم تمتلك نفس القوة أو النعومة في الصوت مثلهم، أو حتى مثل مُجيليها مثل فاطمة عيد، بالنظرة التقليدية هي لا تملك حنجرة أم كلثوم ولا أداء فايزة أحمد، ولا عذوبة صوت نجاة ولا جمال شادية - مقاييس لطالما كانت صاحبة اليد العليا بين المطربات حتى الشعبيات منهن- لكن شفيقة كانت الاستثناء الوحيد للقاعدة.

شفيقة نجمة الطرب في زمن ما بعد «أم كلثوم»

ومع ذلك كله امتلكت شفيقة حضورًا طاغيًا وكاريزما غريبة ميزتها عن الكثير. لم يكن معيارها حلاوة الصوت أو نعومته، بل حالة الطرب والسلطنة التي كانت تصنعها؛ ربما في تمكنها من الوصول إلى طبقات ومستويات لم تصل إليها جميع المطربات السالف ذكرهن. خشونة صوتها جعلت من يسمعها يظن أنها رجل، وجمالها المحدود مقارنة بمطربات ذلك العصر، لكن صوتها، على الرغم من شجنه، كان يحمل من البهجة قدرًا يُنسيك الأحزان. كل ذلك ميزها عن غيرها وجعلها حالة خاصة فنيًا واجتماعيًا، إذ اقتربت من الطبقة البسيطة للمصريين فأصبحوا يجدون فيها أنفسهم، وجدوا من يعبر عنهم ومن يشبههم — موهبة محدودة ربما بالمقاييس التقليدية لكنها ظاهرة تستحق التأمل والدراسة.

في الثمانينات تصدّر أحمد عدوية صوت الكاسيت في مصر، وأخذ سوق الغناء إلى منحى آخر عرفه الجمهور بعد أفول جيل العظماء برحيل أم كلثوم وعبد الحليم وفريد الأطرش، وابتعاد محمد عبد الوهاب ونجاة وشادية وغيرهن، وبداية غياب أصوات شعبية نسائية أخرى كان لها حضور مميز وإن اختلفت في النوعية التي تقدّمها، مثل جمالات شيحة وخضرة محمد خضر. ومع نهاية الثمانينات بدأت شفيقة تظهر على سطح الغناء الشعبي، وفي التسعينيات كانت لها اليد العليا؛ كانت وحدها على القمة، يزاحمها من بعيد البعض مثل حسن الأسمر وفاطمة عيد وحكيم، مما جعل البعض يلقبها بـ «أم كلثوم الغناء الشعبي»؛ لكن وبينما الأخيرة نالت لقب «الست»، حظيت هي بلقب «الأسطى» تعبيرًا عن الحالة الشعبية التي تميّزت بها.

شفيقة «أسطورة الأفراح الشعبية» في التسعينيات

على الرغم من نجاحها في سوق الكاسيت، كانت شفيقة ابنة المسرح الشعبي؛ سيدة الأفراح والليالي الملاح الأولى. بمجرد صعودها على المسرح المبني من كتلة خشبية بدائية الصنع تتحول إلى شعلة تلهب حماس جميع الحضور، وكأنها أيقوناتهم الجديدة؛ بل أصبحت أسطورتهم الشعبية وبطلتهم الخارقة. ولأنها تشبه البسطاء، فهي تحمل نفس تناقضاتهم وتبايناتهم أيضًا. مع غنائها في الأفراح والمناسبات المختلفة وكانت الأعلى أجرًا، رفضت في الوقت نفسه الغناء في الملاهي الليلية والكازينوهات.

دخلت الألفية الجديدة وتغيّرت معها المقاييس التي صعدت بها شفيقة إلى سلم الغناء الشعبي في مصر؛ بدأت الخريطة تتغير وأشكال أخرى تعرف طريقها إلى الناس. هنا بدأ أفول عصر آخر بعد أفول زمن الطرب الأصيل. ومع انتهاء العقد الأول من الألفية بدأت المهرجانات تأخذ طريقها إلى الجمهور، وبعد سنوات من الغياب حاولت شفيقة العودة مرة أخرى وتحدّت العصر ومتغيراته، لكن المرض عرف طريقه إليها ووجدها بسيطة فأخذها؛ لتنتهي معها رحلة واحدة من أغرب رحلات المطربات الشعبيات في مصر، رحلة صاحبة شهرة لا يضاهيها فيها إلا العظماء.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء