المنطقة العازلة والحرب الهجينة: مخاوف أوروبية من تداعيات خطة ترامب
يواجه المقترح الأمريكي الأخير لإنشاء منطقة منزوعة السلاح في المنطقة المتنازع عليها معارضة شديدة في العواصم الأوروبية، لتتصدر هذه الخطة قائمة نقاط الخلاف الرئيسية في المحادثات الأمنية الأخيرة، إذ يتمحور القلق الأوروبي حول التداعيات الأمنية غير المقصودة لهذه الخطوة، ومنها احتمالات أن يوفر التصميم المقترح للمنطقة المنزوعة السلاح لروسيا غطاءً دبلوماسيًا وعملياتيًا لنشر قوات سرية، بدلًا من تحقيق هدف نزع التصعيد المعلن.
وتخشى بروكسل من سيناريوهات محتملة لاستغلال موسكو للفراغ الأمني أو الإطار القانوني للمنطقة الجديدة، ولجوء روسيا إلى ما يُعرف بالتكتيكات الهجينة، وفي مقدمتها تنفيذ عمليات الراية الكاذبة؛ إذ يعني هذا المصطلح إخفاء الهوية الحقيقية للمهاجمين لاتهام طرف آخر، وهو ما يُنظر إليه كخطوة استباقية من موسكو تهدف إلى تقويض الضمانات الأمنية الأمريكية الممنوحة للحلفاء.

وبعبارة أخرى، يرى الأوروبيون أن الخطة الأمريكية قد تخلق بيئة مثالية لروسيا لنسف الترتيبات الأمنية.
المنطقة المنزوعة السلاح كـ"غطاء سري".. نقاط الخلاف
يرى المسؤولون الأوروبيون أن الهدف المعلن بنزع فتيل التوتر قد يأتي بنتائج عكسية خطيرة، محذرين من أن هذه الخطة تحولت إلى نقطة خلاف رئيسية لأنها، بحسب تقديراتهم، قد تمنح روسيا إطارًا قانونيًا أو عملياتيًا جديدًا يُستخدم لغير ما وُضع له.
ومن المحتمل أن تصبح المنطقة المنزوعة السلاح فعليًا غطاءً لنشر قوات سرية روسية بدلًا من قوات حفظ السلام، إذ يقوم هذا القلق على مبدأ استغلال روسيا للفراغات الإدارية أو القيود المفروضة على القوات الغربية داخل المنطقة الجديدة، مما يتيح لها إدخال عناصر استخباراتية أو شبه عسكرية دون أن يُعتبر ذلك انتهاكًا مباشرًا لاتفاق نزع السلاح نفسه، ممهّدًا لوجود عسكري غير معلن.

وفي هذا السياق، فإن توفير هذا الغطاء السري يمثل تهديدًا خطيرًا لاستقرار المنطقة؛ فبدلًا من تحقيق الفصل بين القوات، يمكن أن يصبح هذا الترتيب وسيلة لتعميق الوجود الروسي غير النظامي، مما يجعل المنطقة المنزوعة السلاح مصدرًا جديدًا لعدم اليقين الأمني بدلًا من أن تكون حاجزًا للسلام.
التكتيكات الهجينة وأثرها على الأمن الأوروبي
تتجاوز المخاوف الأوروبية مسألة القوات السرية لتشمل احتمالية لجوء موسكو إلى "تكتيكات هجينة" أكثر تطورًا لضرب الاستقرار. وتشمل هذه التكتيكات مزيجًا من العمليات السياسية، والاقتصادية، والمعلوماتية، والعسكرية غير النظامية، التي تهدف إلى إرباك عملية صنع القرار لدى الخصوم وإضعاف جبهتهم الداخلية دون اللجوء إلى غزو تقليدي صريح.
وداخل هذا الإطار الهجين، يتزايد القلق بشأن عمليات "الراية الكاذبة" كأداة رئيسية، وهو مصطلح يشير إلى إخفاء الهوية الحقيقية للمهاجمين لاتهام الطرف الآخر. كما تفسر المصادر الأوروبية أن الهدف من هذه العمليات ليس فقط إحداث ضرر مادي، بل "افتعال مبررات لشن غزو جديد" من خلال خلق سردية تُظهر روسيا كطرف مضطر للرد على اعتداء مزعوم أو استفزاز خطير لم يقم به في الحقيقة.

وتعد تكتيكات الراية الكاذبة بمثابة الطريق الأقصر لروسيا لتجاوز قواعد الاشتباك الدولية، حيث تتيح لموسكو استخدام القوات العسكرية علنًا دون تحمل المسؤولية المباشرة عن بدء الأعمال العدائية. وهذا الاستخدام التكتيكي يضع المنطقة على شفا كارثة، إذ يمكن لأي حادثة يتم افتعالها أن تتحول إلى ذريعة لعمل عسكري واسع النطاق ومدمر.
تقويض الضمانات الأمنية الأمريكية وتداعياتها
يقترن المقترح الأمريكي لإقامة منطقة منزوعة السلاح بالمخاوف المتعلقة باستغلاله من قبل روسيا، خاصة في ظل احتمالات بأن يؤدي إلى "تقويض الضمانات الأمنية الأمريكية" الممنوحة للحلفاء، لا سيما أن أي خطة لا تستطيع ضمان عدم استغلالها من قبل الكرملين تساهم بشكل مباشر في إضعاف مصداقية الردع الغربي في المنطقة المتنازع عليها.

كما يتضاعف هذا القلق عندما ترتبط الخطة باحتمالية تنفيذ روسيا لـ"تكتيكات هجينة" وعمليات الراية الكاذبة، ففي حال نجاح موسكو في افتعال حادث تحت غطاء المنطقة المنزوعة السلاح، قد تجد واشنطن نفسها في موقف صعب يتعلق بتحديد المعتدي الحقيقي وتقديم الدعم العسكري بموجب الضمانات، مما يخلق ارتباكًا يخدم مصالح المهاجم الروسي.
أما عن التداعيات الجيوسياسية لهذا التقويض المحتمل، فهي كبيرة، حيث يُنظر إلى هذا الخلاف على أنه مؤشر لتباين استراتيجي أوسع بين الولايات المتحدة وأوروبا حول كيفية مواجهة التهديد الروسي. وفي نهاية المطاف، قد يؤدي هذا التباين، المقترن بإمكانية استغلال روسيا للمنطقة، إلى إضعاف الوحدة الغربية وتشجيع الكرملين على اتخاذ خطوات تصعيدية جديدة، ثقةً منه في أن الضمانات الأمنية قد فقدت قوتها الرادعة.
ختامًا:
الخطة الأمريكية لإقامة منطقة منزوعة السلاح تُظهر عمق التباين الاستراتيجي الغربي حول كيفية إدارة التهديد الروسي؛ إذ إن التهديد لا يكمن فقط في الإجراءات الروسية، بل في الأثر التراكمي لهذه الإجراءات على الثقة الغربية. فإذا تمكنت موسكو من استغلال الخطة لشن عمل عسكري تحت ذريعة زائفة، فإن ذلك سيؤدي حتمًا إلى تقويض مصداقية الضمانات الأمنية الأمريكية، مما يفتح الباب أمام مزيد من زعزعة الاستقرار الجيوسياسي.



