من «كتاب سيدنا» إلى المحفظ المنزلي.. تعليم القرآن بين الماضي والمنصات
أعوام طويلة تباهت وتزينت مصر خلالها بعلوم القرآن ورموزه، فمصر بلد عرف بتعلقه بالقرآن الكريم، وكانت المحروسة بين المحافل عربيا ودوليا "دولة التلاوة" لا شريك لها.
قبل عقود من الزمان كانت الكتاتيب هي البيئة التعليمية الأولى لتعليم النشء القراءة والكتابة وحفظ آيات الذكر الحكيم، ومع التطور والتسارع التكنولوجي الكبير اختلف كل شيء واستمرت رغبة المصريين في تحفيظ أبناءهم كتاب الله، فنقل المجتمع التجربة من جلوس على الحصير ولوح خشبي وعقاب بدني استخدم فيه الشيخ "الفلكة"، إلى الشاشات حيث الأجهزة الذكية وجلسات "zoom" أو ذكاء اصطناعي يُصحح التلاوة.
الكتاتيب والتحفيظ الأون لاين
ما بين الكُتاب القديم والتحفيظ الإلكتروني رحلة تعلم تبلغ أكثر من ألف عام تغيرت فيها الوسائل وبقى السؤال "هل تغير نظام الحفظ نفسه أم أن هناك محاولات للتغير مع الحفاظ على هوية الحفظ أو الجمع بين التكنولوجيا الحديثة مع الإبقاء أيضاً على روح الكُتاب؟
بدأت الكتاتيب في مصر مع دخول الإسلام كأقدم مؤسسات التعليم الشعبي، وانتشرت في كل شبر داخل المحروسة، ولعبت دوراً محورياً في تشكيل الهوية المصرية.
خلال القرون الماضية، لكن مع دخول التعليم النظامي في عهد محمد علي تقلص الإقبال على "الفقي" أو الشيخ وظهرت وسائل تعليم أكثر عصرية وتقدماً، ومع دخول الإعلام الرقمي تقلص دور الكتاتيب بل اندثر في أماكن كثيرة وإن كان البعض يحاول استرجاع روحها في تعليم النشء.
ومن هؤلاء الشيخ محمد أبو يوسف، وهو محفظ للقرآن الكريم بقرية كتامة مركز طلخا بمحافظة الدقهلية حيث يجلس وسط مجموعة من الأطفال الذين جاؤوا خصيصاً لحفظ القرآن الكريم داخل أروقة الزاوية الصغيرة التي يحاول فيها استدعاء روح شيوخه الذين تتلمذ على أيديهم قبل ثلاثين عاماً.
يحاول أبو يوسف الحفاظ على روح الكتاب من فرض الالتزام وإعمال مبدأ الثواب والعقاب، فهو يرى أن العقاب الذي كان يتلقاه وأقرانه هو ما جعله يهتم صغيراً بحفظ القرآن الكريم، فمن وجهة نظره فإن إعمال مبدأ الثواب والعقاب يحفز الأطفال للحفظ بشكل أسرع.
ويقول أبو يوسف لـ"إيجبتك": "مع التسارع التكنولوجي تغير نظام تحفيظ القرآن تغيراً كبيراً، فلم يعد هناك الكُتاب بروحه القديمة، كان الشيخ له هيبة، لم يكن مجرد شخص يجلس على الحصير فقط، بل كان رمزاً للالتزام والنظام وكان مربياً أيضاً، لا مجرد مُلقن ومحفظ".
ويُضيف: "أولياء الأمور في العصر الحالي يتبارون في تحفيظ أبناءهم القرآن لكن بشروطهم الخاصة، فلاعقاب للطفل، ولا جدول زمني للتحفيظ، إضافة إلى أن نظام التعليم الحالي بمناهجه الكثيرة جداً لا تُعطي المساحة ولا الوقت الكافي للطفل للذهاب للكُتاب إلا في وقت فراغه، فلم يعد الكُتاب كُتاباً إلا في روحه فقط لكن اختفت معظم الطقوس بتغير المجتمع وتغير آليات تلقي العلم".
المُحفظ المنزلي
على رغم اختلاف الوسائل وتنوع الطرق تظل رحلة الطفل مع القرآن ذات هدف ثابت وإن كانت مُتغيرة الشكل، فتطورت من الكتاب إلى الحفظ أونلاين أو حتى استدعاء مُحفظ منزلي.
ورأت بعض الأمهات تحدث معهم "إيجبتك" أن ضيق الوقت والحياة المُتسارعة والوقت الكبير في التنقل لحلقات التحفيظ داخل المسجد أو في مكان الشيخ، كلها أسباب جعلتهن يتجهن إلى اختيار محفظ منزلي لأبنائهن.

وتقول دعاء بسيوني وهي أم لثلاث أبناء إنها حاولت تحفيظ أبناءها القرآن الكريم بمعرفتها لكنها لم تجد التزاماً منهم في الحفظ، لذا فكرت في طريقة أكثر عملية تناسب ظروفها وضيق الوقت مع عدم التخلي عن فكرة حفظ القرآن فاستعانت بالمحفظ المنزلي.
وعن ذلك تقول: "في الحقيقة أجد أن وجود محفظين منزليين وسيلة للأسر العاملة لعدم التخلي عن تحفيظ القرآن لأبنائهم حتى وإن كان يُكلف الأسرة أعباء مالية إضافية".
وتشاركها الرأي بسمة صلاح وهي أم لطفل يحفظ القرآن بواسطة المُحفظ المنزلي مُنذ 4 سنوات، وتؤكد أن وجود من يمتهنون التحفيظ المنزلي وسيلة جيدة تساعد الأم على متابعة التحفيظ مع الابن وتجعل هناك علاقة مباشرة بين الأم والمُحفظ وهو ما يجعلها تتابع تقدم ابنها في الحفظ.
وتقول بسمة "الحفظ في المسجد بطريقة الكُتاب لم يُجد نفعاً مع ابني حيث لا أعتقد أنه يكون نافعاً مع الأطفال الذين يعانون من التشتت، ورغم ذلك فإن حلقات الكُتاب تعطي تجربة جماعية يُصعب تحقيقها في التحفيظ المنزلي".
تحفيظ أونلاين
مع التحول التكنولوجي أصبحت هناك بدائل أكثر لتحفيظ القرآن، سواء عبر مكالمات الفيديو أو تطبيقات الذكية أو مجموعات الواتساب، ما لاقى تسارعاً متزايداً خلال الفترة الأخيرة، وإن كانت هناك ملاحظات كثيرة على هذا النموذج منها مثلاً ضعف الرقابة.
تقول إيمان عادل وهي أم لثلاثة أبناء لـ"إيجبتك"، إن مرونة المواعيد التي يوفرها التحفيظ الأونلاين، إضافة لتخصيص وقت الحفظ للطفل وعدم ضغطه بالحفظ وفقاً لتقدم أو تأخر أطفال آخرين في الحفظ هو ما جعلها تعتمد التحفيظ الإلكتروني.
وتؤكد: "عملي لا يسمح بوجود وقت كافٍ لتحفيظ أولادي مع محفظ منزلي أو الذهاب للمسجد، ومع وجود تسجيلات صوتية وفيديوهات توفرها منصة التحفيظ تجعلني أتابع تقدم ابني وقتما يسمح وقتي بذلك، إضافة لمرونة المواعيد".

كما لاقى التحفيظ "أونلاين" صدى واسعاً في الفترة الأخيرة مع تعدد المنصات وتباين الأسعار مع المنافسة بينها، كل ذلك جعل بمقدور الأسر الاختيار بين أكثر من بديل.
وتتراوح أسعار الدروس الأونلاين بين 50 جنيهاً مصرياً للحصة الواحدة لتصل لـ100 جنيه في بعض المنصات، وعلى رغم أن البعض قد يُحقق تقدماً خلال الحفظ الأونلاين إلا أن البعض الآخر قد يفشل في ذلك، سواء بسبب غياب الانضباط أو عدم انشغال الأم بمتابعة الحفظ.
وانتقد محفظون وأولياء أمور آخرون ظاهرة "الحفظ أونلاين" لأسباب عدة، أهمها ضعف الرقابة وصعوبة التأكد من جودة النطق الصحيح ومخارج الحروف، والمشكلات التقنية مثل ضعف أو انقطاع الإنترنت.
وتقول أسماء إبراهيم وهي مُحفظة للقرآن عن بعد إنه لا توجد نسبة ثابتة تحدد مدى إقبال أولياء الأمور على الحفظ أونلاين مقارنة بالحفظ في المسجد وخلافه، لكن على رغم الإقبال الكبير من وجهة نظرها على تحفيظ القرآن أونلاين إلا أن حفظ القرآن بطريقة الكتاتيب مازال له رونقه الخاص وأهميته الكبيرة.
وتشرح: "الموضوع نسبي، لكن بعض أولياء الأمور يفضلون الحفظ التقليدي منعاً لتشتت الأطفال".
ويرى الشيخ محمد أبو يوسف أن تجربة الكُتاب تجربة روحية يصعب محاكاتها "أونلاين"، بالإضافة إلى أن الحفظ بشكل مباشر يجعل الطفل يتقن مخارج الحروف، بالإضافة إلى قلة مهارة الشيوخ في استخدام التكنولوجيا الحديثة وهو ما قد يمنع استمرارية الحفظ".
وتتفق معه في الرأي أمنية علاء وهي أم لطفلين ولا تقتنع بتحفيظ القرآن لابنيها بصيغة "الأونلاين" حيث إن جودة الحفظ تكون أعلى بالاحتكاك المباشر مع الشيخ أو المُحفظ.
يعتبر التحول من الكتاتيب إلى وسائل أخرى بديلة إعادة صياغة لطرق تعلم القرآن الكريم في مصر، فتحتفظ الكتاتيب بقيمتها الروحية والتاريخية بينما توفر التكنولوجيا الحديثة مرونة أكثر في المواعيد والمتابعة اليومية وإن كانت تحمل الأسرة المصرية أعباء مادية إضافية، إلا أنها وسيلة لربط الأطفال بالقرآن وحفظه، ويبني جيلاً يحفظ كتاب الله ويحبه في عصر متغير.

