23 مليار دولار في 45 يومًا.. كيف أصبحت الصكوك ركيزة أساسية في إدارة الدين؟
باتت الصكوك السيادية خلال فترة قصيرة إلى واحدة من أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدولة في تمويل احتياجاتها وتقليل الضغوط على الموازنة، بعدما أثبتت نجاحًا لافتًا في جذب شرائح واسعة من المستثمرين الباحثين عن أدوات آمنة ومتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وأصبحت قناة تمويل فعالة تساعد الحكومة على تنويع أدوات الدين، وخفض تكلفة الاقتراض، وتوفير موارد مستدامة تستطيع من خلالها دعم الإنفاق التنموي دون إثقال كاهل الخزانة العامة، وهو ما يدفعها لإصدار الطرح الرابع الاثنين المقبل بقيمة 5 مليارات دولار، بحسب مسئول حكومي لـ «إيجبتك».
5 مليارات جنيه.. مصر تصدر الطرح الرابع للصكوك السيادية
يعكس الطرح الرابع للصكوك السيادية، المقرر صدوره الاثنين المقبل بقيمة 5 مليارات جنيه، مكانة هذه الأداة المالية الجديدة داخل استراتيجية الحكومة لإدارة الدين المحلي، فمنذ تدشين أول إصدار في نوفمبر الماضي، جمعت الدولة نحو 18 مليار جنيه في ثلاثة طروحات متتالية، وجميعها شهدت إقبالًا كبيرًا من البنوك والمؤسسات المالية، بما في ذلك البنوك الإسلامية التي وجدت في الصكوك منتجًا يلائم طبيعة استثماراتها.
ويصرف عائد الإصدار الجديد البالغ 21.224% كل ستة أشهر، وهو ما يضيف عنصر جذب إضافيًا لهذه الصكوك، خاصة مع رغبة الحكومة في توسيع قاعدة المستثمرين وتوفير بدائل تمويلية تتماشى مع التطورات في الأسواق الإقليمية والدولية، وتقلل الاعتماد على أدوات الدين التقليدية مثل السندات وأذون الخزانة.
18 مليار جنيه في 3 طروحات
ويأتي هذا الإصدار بعد النجاح الملحوظ للطرح الثالث في الأول من ديسمبر الجاري بقيمة 5.5 مليار جنيه، والذي شهد إقبالًا واسعًا من المستثمرين بمشاركة 20 بنكًا، من بينها 4 بنوك إسلامية وعدد من البنوك المدرجة ضمن Primary Dealers المعتمدة.
وكانت وزارة المالية قد دشنت أول إصدار للصكوك السيادية في 3 نوفمبر الماضي بقيمة 3 مليارات جنيه، تلاه الإصدار الثاني في 17 نوفمبر بقيمة 10 مليارات جنيه، وشهدا كلاهما تجاوبًا كبيرًا من المستثمرين نظرًا لتوافقها مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وتأتي الإصدارات ضمن استراتيجية متكاملة من الحكومة لإدارة الدين العام تهدف إلى خفض تكلفة الاقتراض، توزيع آجال الاستحقاق، وتوفير بدائل تمويل مرنة للخزانة العامة.

وتعد الصكوك السيادية أحد الركائز الرئيسية لهذه الاستراتيجية، إذ تسهم في توسيع قاعدة المستثمرين المحليين، تعزيز مستويات السيولة، وتقليل الاعتماد على أدوات الدين التقليدية مثل السندات وأذون الخزانة.
وتوفر الصكوك أيضًا آلية تمويل مستدامة للمشروعات ذات العائد الاقتصادي المرتفع، بما يدعم خطط الحكومة التنموية دون زيادة كبيرة في الأعباء التمويلية، وتعكس التوجه المستمر لتطوير سوق أدوات الدين وطرح منتجات مالية متوافقة مع الشريعة، مواكبة للتحولات في الأسواق الإقليمية والدولية.
ويمثل إصدار الطرح الرابع خطوة جديدة في مسار تعزيز التمويل المحلي وتنويع مصادره، وسط توقعات بزيادة الإقبال على الأدوات التمويلية الإسلامية خلال الفترة المقبلة.
إصدار 8 صكوك للشركات بقيمة 30.8 مليار جنيه
من جانبه، كشف الدكتور محمد البلتاجي، رئيس الجمعية المصرية للتمويل الإسلامي، أن حجم تمويلات الصكوك الإسلامية في السوق المصري وصل إلى نحو 208 مليارات جنيه بنهاية سبتمبر 2025، متضمنة الصكوك السيادية وصكوك الشركات.
وأوضح البلتاجي- في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك»- أن عدد صكوك الشركات الصادرة حتى نهاية سبتمبر بلغ 8 صكوك بإجمالي 30.8 مليار جنيه، لافتًا إلى أن هناك أكثر من 6 إصدارات جديدة قيد الدراسة، بالإضافة إلى التحضيرات لإصدارات كبرى للشركات الصناعية والتمويلية خلال الفترة المقبلة.
وأشار إلى أن القانون الخاص بالصكوك السيادية للدولة قد أقر واعتمدت لائحته التنفيذية، حيث تم إصدار أول صك سيادي يوم 21 فبراير 2023 بقيمة 1.5 مليار دولار (ما يعادل 75 مليار جنيه)، تلاه إصدار آخر بقيمة 1 مليار دولار في أبريل 2025، وإصدار ثالث بمبلغ 1.5 مليار دولار.

الصكوك السيادية المحلية والدولية
وأضاف البلتاجي، أن السوق يضم 17 صندوقًا استثماريًا و7 شركات تأمين تكافلي تعمل وفق الضوابط الشرعية، إلى جانب شركتين للتمويل العقاري وحوالي 10 شركات للتمويل المتناهي والاستهلاكي والمتوسط، مع تسجيل العمليات المالية غير المصرفية غير الصكوكية نحو 33 مليار جنيه.
وأكد البلتاجي أن القطاع المالي الإسلامي يشهد نموًا ملحوظًا، مع استمرار زيادة عدد الفروع والبنوك الإسلامية وتوسيع قاعدة العملاء، في خطوة تهدف لتعزيز الشمول المالي وتوفير خيارات تمويلية متوافقة مع الشريعة لمختلف القطاعات.
ومع اتساع الاعتماد على أدوات تمويل جديدة مثل الصكوك السيادية، تبرز أهمية متابعة تطورات الدين الخارجي باعتباره جزءًا أساسيًا من مشهد إدارة الدين العام، وتظهر البيانات الرسمية الأخيرة تغيرات لافتة في هيكل المديونية، تكشف عن اتجاهات طويلة وقصيرة الأجل تستحق التوقف عندها.
الدين الخارجي طويل الأجل يهيمن على هيكل مديونية مصر
تستمر هيمنة الدين الخارجي طويل الأجل على هيكل المديونية ، ليشكل نحو 80.8% من إجمالي الدين الخارجي بنهاية الربع الثالث من العام المالي 2024/2025، مقارنة بـ 80% في الربع الثاني و82.2% في الربع الأول من نفس العام، بحسب تقرير رسمي حصل «إيجبتك» على نسخة منه.
بلغت نسبة الدين الخارجي قصير الأجل نحو 19.2% من إجمالي الدين الخارجي بنهاية الربع الثالث، مقابل 20% في الربع الثاني و17.8% في الربع الأول، وهو ما يعكس استقرارًا نسبيًا في مستوى الديون قصيرة الأجل.
وأظهرت البيانات أن الدين قصير الأجل يعادل 62.9% من صافي الاحتياطات الدولية بنهاية الربع الثالث، مقارنة بـ 65.8% في الربع الثاني و59.2% في الربع الأول، ما يشير إلى استمرار الضغط على تغطية الالتزامات العاجلة من الاحتياطي النقدي.
كما سجل الدين الخارجي الحكومي 52.4% من إجمالي الدين الخارجي بنهاية الربع الثالث، مقارنة بـ 51.1% في الربع الثاني و51.8% في الربع الأول، وعلى مستوى نسبته من إجمالي الدين العام، بلغت 23.3% بنهاية الربع الثالث، مقابل 21.9% و21.1% في الربعين السابقين.
161.2 مليار دولار إجمالي الدين الخارجي لمصر
ووفق للبيانات، بلغ إجمالي الدين الخارجي لمصر بنهاية الربع الرابع من العام المالي 2024/2025 نحو 161.2 مليار دولار، موزعًا إلى 126.65 مليار دولار كديون طويلة الأجل، و30 مليار دولار كديون قصيرة الأجل، فيما سجل الدين الحكومي الخارجي نحو 82 مليار دولار.
مع هذا نتأكد أنه رغم تعدد أدوات التمويل وتنوع آليات الاقتراض، يظل التوازن بين احتياجات الخزانة واستدامة الدين تحديًا مركزيًا أمام الحكومة، ومع توسع استخدام الصكوك وتغير هيكل المديونية، يبقى نجاح السياسات المالية مرهونًا بقدرة الدولة على خفض التكلفة وتعزيز الاستقرار في السنوات المقبلة.

