«إيجبتك» يفتح ملف «التعاونيات» ودورها في تنمية مصر..وخبراء يضعون مقترحاتهم
وسط تطلعات القيادة السياسية لتحقيق رؤية مصر التنموية علي مختلف الأصعدة 2030، تأتي “التعاونيات” كإحدى أذرع الدولة الرئيسية لتفعيل الاقتصاد التضامني الاجتماعي القائم على الشراكة والمسؤولية المجتمعية، لتلعب دورًا مهمًا داخليًا في مسار التنمية وتعزيز صورة مصر دوليًا كدولة رائدة في تحقيق التنمية.
ولطالما كانت التعاونيات، لها دور كبير في دعم الصادرات الزراعية والحرفية وتعزيز التعاون الدولي في مجالات التنمية والتدريب وتبادل الخبرات، إذ يبرز دورها في تحقيق التوازن بين متطلبات السوق واحتياجات الدولة، فضلًا عن المساهمة في تنمية الريف وتحسين مستوى المعيشة.
وحسب خبراء متخصصين، تعد التعاونيات، إحدى الركائز الأساسية في تنشيط الاقتصاد الوطني داخل الدولة المصرية، فضلًا عن دورها في بناء المجتمعات القائمة على أسس حديثة، والتي تجمع بين الكفاءة وفي الوقت نفسه العدالة الاجتماعية، والتأكيد أن الدولة جعلتها قوة فاعلة في تحقيق التنمية الشاملة من خلال دعم الفئات المنتجة، وتمكين صغار المزارعين والحرفيين.
البيانات العالمية حول التعاونيات:
تُشير البيانات العالمية إلى أن التعاونيات تضم أكثر من 1.2 مليار عضو في نحو 3 ملايين تعاونية حول العالم، ما يوفر فرص عمل لـ 280 مليون شخص، أي ما يعادل 10% من القوى العاملة العالمية.
كما حققت أكبر 300 تعاونية مبيعات بلغت نحو 2,409.41 مليار دولار أمريكي، إذ تعمل التعاونيات على تحقيق النمو الاقتصادي المستدام وتعزيز التنمية الاجتماعية من خلال مبادئها الأساسية مثل المساواة، والديمقراطية، والتضامن.
« إيجبتك»، يفتح ملف التعاونيات ودورها في تحقيق التنمية داخليًا وخارجيًا والعقبات التي تقف أمام تحقيق المستهدف منها
يشير الدكتور علاء عزوز، رئيس قطاع الإرشاد الزراعي بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، إلى أن التعاونيات الزراعية تمثل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية الزراعية والاقتصادية والريفية في كل دول العالم، منبهًا إلى أنها الإطار الذي يجمع المزارعين ويوحد جهودهم لتحسين الإنتاج وخفض التكاليف وزيادة الدخل.
ويبين عزوز، أن التعاونيات الزراعية في مصر عبر التاريخ، لها دور محوري في دعم الفلاحين وتوفير مستلزمات الإنتاج وتنظيم عمليات التسويق، غير أن هذا الدور تراجع خلال العقود الأخيرة، نتيجة التحديات الإدارية والمالية والتشريعية وهو ما يستوجب اليوم العمل على إعادة إحياء وتفعيل دورها، بما يتواكب مع متطلبات المرحلة الراهنة، مؤكدًا أن الدولة أولت اهتمامًا كبيرًا بدعم التعاونيات الزراعية وتعزيز حريتها الاقتصادية، من خلال تعديلات تشريعية مهمة بالقانون رقم 124 لسنة 2014 والذي أتاح للجمعيات التعاونية إنشاء مشروعات مشتركة مع القطاع الخاص، وتأسيس شركات مساهمة في مجالات الإنتاج والتصنيع والتسويق، وحدد آليات جديدة لزيادة رأس المال ومنح الاتحاد التعاوني صلاحيات أوسع.
كما يؤكد عزوز، أن الرؤية المستقبلية للدولة تستهدف تحويل التعاونيات الزراعية إلى منظمات اقتصادية اجتماعية مستقلة تدار بأسلوب تشاركي بين أعضائها، قادرة على توفير المدخلات والمعلومات والخدمات التسويقية، والمساهمة بفاعلية في برامج التنمية الريفية وتمكين المرأة والشباب، حيث يلعب النشاط الإرشادي الزراعي دورًا أساسيًا في نقل المعرفة والتقنيات الحديثة من مراكز البحوث إلى المزارعين، وهنا يبرز دور التعاونيات كأداة ميدانية داعمة للإرشاد الزراعي.
أيضًا، يوضح أن الجمعيات التعاونية هي الأقرب للمزارعين والأقدر على تنظيمهم وتحديد احتياجاتهم التدريبية، ويمكنها أن تشارك في تقديم الخدمات الإرشادية من خلال عقد الندوات الحقلية، وتنظيم الأيام التدريبية داخل القرى ونقل التوصيات الفنية إلى المزارعين بشكل مباشر وبسيط، مبينًا أنه يمكن للتعاونيات أن تكون شريكًا فعالًا في تنفيذ برامج ترشيد استخدام المياه، وتطبيق الممارسات الزراعية الجيدة، والتحول نحو الزراعة الذكية والمستدامة بالتنسيق مع الجهاز الإرشادي ومنظمات المجتمع المدني، وأنه من خلال هذا التكامل بين الإرشاد الزراعي والتعاونيات، نستطيع أن نصل إلى نموذج تنموي متكامل، يجعل من كل قرية وحدة إنتاجية متطورة، ومن كل جمعية مركزًا للخدمة الإرشادية والتطوير الميداني.
ويشدد عزوز على أن إعادة تفعيل هذا الدور المزدوج - بين الإرشاد والتعاونيات - تمثل خطوة جوهرية لتحقيق الأمن الغذائي وتعزيز تنافسية المنتج الزراعي المصري، وتحسين مستوى معيشة الفلاحين، بما يتسق مع أهداف إستراتيجية التنمية الزراعية المستدامة 2030.
مساهمة التعاونيات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة:
كما ينبه عزوز، إلى أنه يجب على التعاونيات أن تضطلع بدور فاعل في تحقيق أهداف التنمية المستدامة عبر دعم مبادرات الحد من الفقر، وتمكين المرأة والشباب وتعزيز فرص العمل اللائق في الريف، وينبغي أن تعمل على دمج البعد الاجتماعي في أنشطتها الاقتصادية، بما يحقق الشمول ويعزز العدالة في التنمية.. كما يتعين عليها تبني آليات للحوكمة الرشيدة والمساءلة لضمان استدامة الأثر التنموي، فضلًا عن دمج البعد البيئي في خططها التشغيلية، من خلال تبني أنظمة إنتاج نظيفة وتقنيات موفرة للطاقة والمياه، كذلك المساهمة في نشر الوعي البيئي بين أعضائها ومجتمعاتها المحلية، وتشجع الممارسات الزراعية المستدامة، كما يتعين عليها الاستثمار في المبادرات الخضراء، التي تعزز الاقتصاد الدائري وتحد من الانبعاثات والتلوث.
ويشير إلى أهمية تعزيز التكامل والتنسيق فيما بينها إقليميًا ودوليًا لتبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، والمشاركة في المنصات والشبكات التعاونية الدولية لزيادة فرص النفاذ إلى الأسواق وتمويل المشاريع المشتركة، بجانب المساهمة في المبادرات العابرة للحدود، التي تدعم الأمن الغذائي وتعزز مرونة النظم الإنتاجية في مواجهة التغيرات المناخية.
يقول الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، إن التعاونيات موجودة في جميع البلدان، بما في ذلك قطاعات الأغذية والزراعة والتمويل والرعاية الصحية والتسويق والتأمين والائتمان، لافتًا إلى أن أعضاء التعاونيات يقدر في أنحاء العالم بمليار فرد، حيث توفر أكثر من 100 مليون وظيفة في أنحاء العالم، كما يشارك أعضاؤها العاملون في الزراعة وصيد الأسماك والثروة الحيوانية في أنشطة الإنتاج وتقاسم الأرباح وتوفير التكاليف وتقاسم المخاطر والأنشطة الجالبة للرزق، مما يؤدي إلى تحسين قدرة الأعضاء على المساومة كمشترين وبائعين في السوق.
ويرى نور الدين أن مصر تحتاج بشدة إلى نظام فاعل للتعاونيات، يجبر المسئولين على احترام ظروف المزارعين والعمل على زيادة دخولهم وإشراكهم في صنع القرار ويصل بمنتجهم إلى الأسواق بأسعار عادلة، ويبعد عنهم سلاسل الربح المتعددة للتجار أو الشراء الفردي، فما أحوج المزارعين والمنتجين إلى اتحاد تعاوني يحسن التعبير عنهم ناكرًا لنفسه ولجهده في سبيل الصالح العام للمزارعين، مؤكدًا أن الدور الأكبر للتعاونيات في مصر سيكون عبر توفيق الأوضاع وحل المشاكل، التي يتكرر حدوثها بين الحكومة وبين المزارعين، ومنها المشكلة المتكررة لغرامات الزراعات المخالفة بإصدار القرار الديكتاتوري بتحديد مساحات زراعات الأرز، دون التشاور والتفاوض مع المزارعين والاستماع إليهم، فهنا يأتي دور تفعيل التعاونيات الأهلية، التي تضم جميع المزارعين سواء للمحصول الواحد أو للمنطقة الواحدة، مثل تعاونيات كفر الشيخ أو المنوفية، أو مثل تعاونيات مزارعي الأرز أو الطماطم أو البصل أو منتجي الحليب والدواجن وغيرها.
كما يقول أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة: "الأمر ليس وصاية أو سعيًا لقيادة وإنما صالح الفلاح وصالح المستهلك وضمان استمرار قطاع الزراعة في عمله والعمل على استمراره عملًا مربحًا جاذبًا، وليس طاردًا للعاملين فيه وأبنائهم.. وبالتالي فإن التعاونيات هي النظام العالمي الأمثل للعمل الزراعي الجماعي، بينما نقابات الفلاحين نظام غير فاعل إلا في مصر، بسبب البحث عن زعامة أو ظهور إعلامي مع العمل بشكل فردي والحديث عن مشاكل الفلاحين، ولكن في نطاق عدم إغضاب الدولة والحكومة والمحليات.
ويوضح نور الدين أن من ضمن التحديات والعقبات التي تواجه التعاونيات وتحقيق دورها، الغياب التام للدولة والتعاونيات سواء الحكومية أو الأهلية في التسويق الداخلي أو تحديد المساحات، التي ينبغي زراعتها من كل محصول بما يحافظ على أسعار جيدة للمزارعين وأسعار مقبولة للمستهلكين، قائلًا: "الأمر يبدو في الزراعة المصرية على كونه إسرافًا هنا وتقطيرًا هناك، أي إنتاج وفير من الخضراوات والفاكهة مقابل تراجع كبير في زراعة الحاصلات الإستراتيجية، التي نستوردها، رغم سماح المساحات الزراعية المتاحة بإحراز تقدم كبير في نسب الاكتفاء الذاتي منها، وخاصة محاصيل العروة الصيفية مثل الذرة الصفراء والتي تجاوزت وارداتنا منها 8.6 مليون طن، ثم زيوت الطعام والتي نستوردها بالكامل من الخارج، بالإضافة إلى زراعات العروة الشتوية من الفول والعدس والحمص وبنجر السكر ثم القمح."
ويشير الخبراء إلى أن دور التعاونيات، ليس مقتصرًا فقط على الداخل، بل يمتد دورها إقليميًا ودوليًا من خلال تبادل الشراكات والخبرات الدولية مع كل المنظمات العالمية، وهو ما يساعد في تعزيز مكانة الدولة المصرية في مجالات عدة، وعلى رأسها الاقتصادي الاجتماعي والتنموي، لتكون عاملًا مهمًا في مسار التنمية الشاملة 2030.

