محكمة النار.. كيف ظلت البشعة وسيلة لكشف الكذب في الثقافات الشعبية؟
البشعة والكذب.. رغم التطور الذي شهده المجتمع المصري واندثار الكثير من العادات القديمة، ما زالت بعض التقاليد الشعبية تحتفظ بحضورها في الذاكرة الجمعية، إما عبر الحكايات أو من خلال استمرارها في بعض المناطق الريفية والبدوية.
ومن بين هذه الموروثات الغريبة والجدلية تأتي عادة البشعة، وهي طقس قديم كان يُستخدم لكشف الكاذبين أو التحقق من أصحاب الحق في النزاعات، عبر وسيلة لا تقل قسوة عن وقع اسمها.
البشعة تقوم على فكرة بسيطة لكنها شديدة القسوة، المتهم يُطلب منه لعق قطعة معدنية تُسخّن على النار حتى الاحمرار، فإذا التصقت بلسانه أو تركت أثرًا واضحًا، اعتُبر ذلك دليلًا على الكذب.

أما إذا لم تترك أثرًا، فيُعد صادقًا، ورغم أن العرف يبدو اليوم أقرب إلى الأساطير، إلا أنه كان لسنوات طويلة يُعامل بجدية كاملة في بعض المجتمعات التي تعجز فيها وسائل الإثبات القانونية الحديثة، أو في الخلافات التي تعتمد على الثقة والشرف أكثر من المستندات.
أصل العادة وانتشارها
تعود البشعة إلى موروثات عربية قديمة، وعاشت في سيناء والصعيد وبعض البيئات البدوية في شمال إفريقيا.
وكانت تُمارس غالبًا على يد شخص يُعرف بـ "المبشّع"، وهو رجل يحفظ الأعراف ويُنظر إليه باعتباره حكمًا نزيهًا، لا يتدخل في الحكم نفسه، بل يكتفي بإجراء الطقس الذي يُعيد الحق بحسب الاعتقاد الشعبي لصاحبه.

المبشّع كان يتمتع بمكانة اجتماعية خاصة، إذ يجب أن يشتهر بالحياد، وألا يقبل بإخضاع أي شخص للبشعة إلا إذا أجمع الطرفان على اللجوء إليه، خصوصًا في قضايا السرقة أو الاعتداء أو الاتهامات الأخلاقية التي يصعب إثباتها بأدلة ملموسة.
كيف تُمارس البشعة؟
تبدأ العملية عادة بتسخين قطعة معدنية تُسمّى المبشعة حتى تصبح حمراء، ثم يُطلب من المتهم لعقها أمام الجميع.
الفكرة التي يستند إليها هذا المعتقد أن الخائف أو الكاذب يجفّ ريقه عند مواجهة الاتهام، وبالتالي تلتصق القطعة الساخنة بلسانه وتُحدث حرقًا واضحًا.

أما الصادق فيُقال إن ريقه يظل رطبًا، مما يجعل لسانه ينزلق بسهولة دون أن يتعرض للحرق.
ورغم بدائية هذا الاعتقاد من وجهة نظر العلم، فإنه كان يُنظر إليه كأداة تحقق من العدالة الشعبية، تمنح أهل القرية أو القبيلة قناعة راسخة ببراءة الشخص أو إدانته.
انتقادات وخفوت تدريجي
مع توسع دور الدولة وانتشار المحاكم، تراجع استخدام البشعة بشكل كبير، وأصبحت تُذكر اليوم باعتبارها جزءًا من التراث، لا وسيلة معتمدة.
كثيرون يعتبرونها عادة قاسية وغير إنسانية، لأنها تعتمد على الخوف ورد الفعل النفسي أكثر من اعتمادها على الحقيقة.
ومع ذلك، ما زالت البشعة تشكل رمزًا ثقافيًا مهمًا، يفتح نقاشًا واسعًا حول العلاقة بين العدالة الشعبية والقانون الحديث، وكيف تطورت وسائل كشف الكذب من النار والحدس إلى التكنولوجيا والطب الشرعي.

