برج الكنيسة يعانق مئذنة الجامع الفاطمي.. حكاية دير تجلت فيه روح التسامح
قال الدكتور عبد الرحيم ريحان، الخبير الآثري، إن دير سانت كاترين يظل واحدًا من أعجب شواهد التسامح الديني في العالم، إذ تجتمع فيه على أرض واحدة مئذنة الجامع الفاطمي وبرج الناقوس، في صورة لا تحتاج لشرح كي تؤكد أن مصر كانت ولا تزال موطنًا فريدًا تتعانق فيه الديانات في قدسية وسلام.
وأضاف ريحان فى تصريح خاص لــ"إيجبتك" أن منشآت الدير تكشف تاريخًا طويلًا من العمارة الروحية فكنيسة التجلي الحالية أعاد بناءها الإمبراطور جستنيان في القرن السادس الميلادي، على أنقاض كنيسة العليقة الملتهبة التي شيدتها الإمبراطورة هيلانة في القرن الرابع قبل أن تتعرض للانهيار.
وبعد العثور على رفات القديسة كاترين في القرن التاسع، تغير اسم الكنيسة والدير معًا ليصبحا على اسمها.
كنيسة العليقة الملتهبة
وأشار إلى أن الكنيسة شيدت من حجارة جرانيتية ضخمة، بطول 40 مترًا وعرض 19.20 مترًا، وتضم كنيسة العليقة المقدسة.
وتزين قبتها الشرقية واحدة من أهم وأقدم فسيفساء الشرق، تُجسّد تجلي السيد المسيح بألوان زجاجية مبهرة ما زالت تحتفظ ببريقها رغم مرور القرون.
وأوضح ريحان أن كنيسة العليقة الملتهبة التي يدخلها الزائر خالعًا نعليه اقتداءً بمشهد نبي الله موسى تقع منخفضة عن أرضية كنيسة التجلي بنحو 70 سم، وتضم مذبحًا رخاميًا فوق الموقع الأصلي لشجرة العليقة التي يقال إن جذورها ما زالت ممتدة في موضعها الأصلي.
وتابع: أما برج الناقوس فقد شيده الراهب السيناوي غريغوريوس عام 1817م، ويضم تسعة أجراس مهداة من الكنيسة الروسية، إلى جانب جرس خشبي قديم يُقرع يوميًا”.
بئر موسى
وبين أن داخل أسوار الدير عددًا من الآبار القديمة، أبرزها بئر موسى التي يُعتقد أنها البئر التي سقى منها نبي الله موسى غنم بنات الرجل الصالح شعيب، إضافة إلى بئر العليقة وبئر اسطفانوس، وثلاثة آبار وثلاثة ينابيع في حديقة الدير.
وتوقف ريحان عند مكتبة الدير التي تعد ثاني أهم مكتبة مخطوطات في العالم بعد مكتبة الفاتيكان، إذ تضم أكثر من 4500 مخطوط بلغات متعددة، من بينها اليونانية والعربية واللاتينية والجورجيانية، ويعود أقدمها إلى القرن الرابع الميلادي.
وأشار إلى أن حديقة الدير تتسع لأشجار الفاكهة والزيتون واللوز والسرو والصفصاف، إلى جانب أنواع متعددة من الزهور والخضروات، مما جعلها واحة حياة وسط الجبال.
معرض الجماجم
أما عن معرض الجماجم أو “الطافوس”، فقال إنه المكان الذي يدفن فيه الرهبان موتاهم، ثم تُجمع عظامهم لاحقًا لتُعرض في غرفة خاصة تُعرف بـ “كنيسة الموتى”، وهو تقليد رهباني قديم يعكس فكرة الزهد والعبور إلى الحياة الأبدية.
وفي مفارقة معمارية وإنسانية فريدة، أكد الدكتور ريحان أن وجود جامع فاطمي داخل الدير ظل محل دهشة مؤرخي الغرب عبر القرون، إذ سجله زوار مسيحيون في القرن الرابع عشر ومنهم ليوناردو فرسكويالدي عام 1384م، الذي أبدى إعجابه الشديد بتسامح المصريين. فمصر – كما يقول ريحان – “لم تعرف يومًا حدودًا بين معابدها، وظلت دائمًا منبرًا للتعايش، أكثر رحابة من أوروبا التي لم تعرف مثل هذا التسامح وقتها”.
