رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

صراع الأولويات: لماذا يتردد حلفاء إيران وفنزويلا في مواجهة عقوبات ترامب؟

قادة الصين وروسيا
قادة الصين وروسيا وكوريا الشمالية

مع القصف الإيراني لإسرائيل والحصار العسكري لفنزويلا، توجد مفارقة جيوسياسية تكمن في أن الحلفاء الكبار لهاتين الدولتين، وفي مقدمتهم روسيا والصين، يكتفون بلعب دور "المتفرج الداعم"، حيث يقتصر دعمهم على التصريحات الدبلوماسية وتوفير شريان حياة اقتصادي محدود، دون أي تحرك فعلي قد يرقى إلى مستوى التدخل الحاسم أو تغيير معادلة الضغط.

هذا الموقف الحذر لا يعكس ضعفًا في العلاقة، بل هو نتاج حسابات التكلفة والمخاطرة التي تحكم سياسات القوى العظمى، إذ يخشى الحلفاء من الوقوع تحت طائلة العقوبات الثانوية الأمريكية. بالنسبة لدول كبرى مثل الصين، التي تُعد أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة وأوروبا، فإن الدخول في مواجهة اقتصادية مفتوحة لدعم أنظمة بعيدة يمثل خسارة أكبر بكثير من المكاسب الجيوسياسية المحتملة.

الرئيس الإيراني - مسعود بزشكيان
الرئيس الإيراني - مسعود بزشكيان

الدعم الفعلي، مثل توفير حماية عسكرية مباشرة أو ضخ تمويلات ضخمة غير مشروطة، يعرض شركاتها وبنوكها لخطر الفصل عن النظام المالي العالمي. بالتالي، تتبنى بكين وموسكو استراتيجية حذرة: تقديم دعم "كافٍ للبقاء"، كشراء النفط بأسعار مخفضة أو تبادل التقنيات النفطية الإيرانية مع فنزويلا لضمان عدم انهيار النظامين، دون تقديم دعم "كافٍ للتوسع" قد يثير غضب واشنطن بشكل لا يمكن تحمله.

البعد الجغرافي واستراتيجية استهلاك الجهد الأمريكي

يلعب البعد الجغرافي دورًا حاسمًا؛ فالموقع البعيد لكل من إيران وفنزويلا عن المراكز الرئيسية لقوة روسيا والصين يجعل تأمين خطوط الإمداد العسكري أو اللوجستي المكثف عملية معقدة ومهددة بشكل مستمر.

في المقابل، تستفيد روسيا والصين من بقاء هذه الأنظمة كنقاط توتر دائمة تستهلك اهتمام وتركيز الموارد الأمريكية والغربية، وتُشتت انتباه واشنطن عن القضايا التي تهم بكين وموسكو مباشرة.

هذا الدور يمنح الحلفاء مكسبًا استراتيجيًا منخفض التكلفة، حيث أن مجرد بقاء محور العقوبات صامدًا يُظهر فشل سياسة الضغط الأقصى الأمريكية ويُعزز سردية "تعدد الأقطاب" في الساحة الدولية. كما يرى الحلفاء في علاقتهم مع إيران وفنزويلا قيمة أكبر كأداة للدعاية وورقة للمساومة في مواجهة الغرب، بدلًا من قيمة عملية في ساحة المواجهة.

هذه العلاقة تمنح روسيا والصين نفوذًا في مفاوضات حساسة، سواء كانت تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني أو بقضايا أمريكا اللاتينية، لذا يضمن الدعم الكلامي والتجارة الجزئية أن هذه "الأوراق" تظل على طاولة المفاوضات.

الرئيس الفنزويلي -  نيكولاس مادور
الرئيس الفنزويلي -  نيكولاس مادور

في جوهر الأمر، يفضل الحلفاء عدم التدخل بشكل يغير ميزان القوى لصالح إيران أو فنزويلا بشكل حاسم، بل يفضلون الإبقاء على ميزان هش يحافظ على التوتر ويدفع الأنظمة المعاقبة للاعتماد عليهم بشكل مستمر، مما يؤكد أن الدعم الأقصى يخضع لأولوية المصالح القومية العليا للحلفاء لا لحاجة الحلفاء الصغار.

العقوبات الأمريكية على كاراكاس وطهران.. تحالف البقاء

تُشكل العلاقة بين طهران وكاراكاس نموذجًا فريدًا في الخريطة الجيوسياسية العالمية، لا تقوم على توافق أيديولوجي عميق بقدر ما تقوم على قاسم مشترك: كلاهما يواجه استراتيجية "الضغط الأقصى" والعقوبات الشاملة المفروضة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، بهدف معلن هو تغيير النظام أو السلوك.

أثبتت هذه الاستراتيجية فشلها في تحقيق هدفها النهائي، إذ لم تؤدِ الضغوط القصوى والتهديدات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية إلى انهيار النظامين، بل دفعت بهما إلى إنشاء "محور صمود" يعتمد على التجارة البديلة وتبادل الخبرات الحيوية، خاصة في قطاع النفط، لضمان استمراريتهما.

تكمن المفارقة في الدور الذي يلعبه حلفاؤهما الكبار، وفي مقدمتهم روسيا والصين؛ ففي الوقت الذي تقدمان فيه دعماً دبلوماسياً وسياسيًا قويًا وتوفران شريان حياة اقتصادي محدود لشراء الطاقة والسلع، فإنهما تتجنبان بشكل حاسم أي "تحرك فعلي" قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة أو يعرضهما للعقوبات الثانوية القاسية.

هذا الموقف الحذر يعكس حسابات دقيقة للمصالح القومية؛ فالحلفاء يفضلون بقاء إيران وفنزويلا كنقاط توتر دائمة تستنزف الاهتمام الغربي، بدلًا من تحمل التكاليف الباهظة للتدخل المباشر. ليصبح بذلك الدعم مجرد أداة لضمان البقاء لا التوسع، بينما يظل النظامان يُديران أزمتهما في عزلة نسبية، معتمدين على المرونة الداخلية لمقاومة العواصف الخارجية.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - أرشيفية
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - أرشيفية

تحالف الشراكة غير المتكافئة: التكلفة الباهظة لصمود طهران وكاراكاس

الدعم الاقتصادي الذي تقدمه قوى كبرى مثل الصين وروسيا لإيران وفنزويلا، في ظل العقوبات الغربية القاسية، يمثل شريان حياة، لكنه يأتي بثمن باهظ يضع الدولتين في فخ الشراكة غير المتكافئة.

الرئيس الصيني شي جين بينغ
الرئيس الصيني شي جين بينغ

في غياب الأسواق المالية العالمية والقيود على التصدير، اضطرت طهران وكاراكاس إلى بيع نفطهما بأسعار تفضيلية ومخفضة جدًا لحلفائهما الآسيويين، خاصة الصين، مما يضمن تدفقًا للطاقة لبكين على حساب إضعاف العائدات المالية الإجمالية لكلتا الدولتين. هذا التنازل عن جزء من قيمة ثروتهما النفطية يضمن استمرارية التجارة، لكنه يُرسخ اعتمادًا اقتصاديًا جديدًا على بكين وموسكو، ويُفقد الدولتين القدرة على تحقيق أقصى استفادة من مواردهما الطبيعية.

تتجلى هذه التبعية الجديدة أيضًا في سيطرة الحلفاء على البنية التحتية والموارد الاستراتيجية. ففي مقابل القروض والاستثمارات، أبرمت الصين صفقات تمنحها امتيازات طويلة الأجل في قطاعات حيوية بفنزويلا وإيران، تشمل الموانئ والاتصالات وقطاع الطاقة.

هذا النوع من الاستغلال يستبدل الهيمنة الاقتصادية الغربية السابقة بنفوذ عميق غير عسكري للحلفاء، مما يجعل الدولتين عرضة لضغوط تجارية وسياسية جديدة، وبدلًا من التحرر من التبعية، تجد إيران وفنزويلا نفسيهما منخرطتين في شبكة معقدة من الديون والالتزامات التي تمنح بكين وموسكو نفوذًا استراتيجيًا مستدامًا على قراراتهما الاقتصادية والجيوسياسية.

ختامًا:

 في خضم هذا التحالف، تبرز روسيا كمنافس صامت للطرفين في أسواق الطاقة. فموسكو تستفيد ضمنيًا من العقوبات النفطية المفروضة على منافسيها، إذ يقلل هذا الضغط من المعروض العالمي النفطي ويدعم أسعار نفطها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

هذا التناقض يعني أن رفع العقوبات عن النفط الإيراني أو الفنزويلي من شأنه أن يُدخل موسكو في منافسة مباشرة مع حلفائها في الأسواق الآسيوية والأوروبية، وبالتالي، فإن الحفاظ على وضع "الصمود تحت العقوبات" يخدم مصلحة روسيا في إبقاء أسواق النفط مُحكمة السيطرة، مما يؤكد أن الدعم المقدم لإيران وفنزويلا هو دعم براغماتي تحكمه المصلحة الذاتية، ويضع استدامة النظامين في مرتبة ثانوية مقارنة بمصالح الحلفاء القومية العليا.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء