رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تصدّع غربي جديد: غياب بريطانيا عن مشروع التسلّح يهدّد الأمن الأوروبي

الصناعات العسكرية
الصناعات العسكرية الأوروبية - أرشيفية

تمثل التطورات الأخيرة المتعلقة بفشل مفاوضات انضمام المملكة المتحدة إلى برنامج "العمل الأمني لأوروبا" – الذي يعتبر العمود الفقري لإعادة التسلح المشترك للاتحاد الأوروبي – نقطة تحول تحليلية تلقي الضوء على استمرار التحديات الهيكلية في العلاقة بين لندن وبروكسل في مرحلة ما بعد "بريكست".

هذه النتيجة، وإن كانت متوقعة جزئيًا نظراً للتباين في الأولويات بين الرغبة البريطانية في المشاركة بشروط "السيادة الكاملة" وإصرار الاتحاد الأوروبي على حماية "استقلاله الاستراتيجي" وقاعدته الصناعية الداخلية (بشرط 65% من الإنتاج الأوروبي)، تُطلق ثلاثة دلالات تحليلية رئيسية: أولها، تحديات اقتصادية فورية تُقَيِّد قدرة الشركات الدفاعية البريطانية العملاقة على المنافسة والحصول على حصص كبيرة من سوق المشتريات الأوروبي. وثانيها، تأثير غير مباشر على الجهود الجماعية لدعم أوكرانيا من خلال إبطاء وتيرة المشتريات المشتركة و"إعادة التسلح" الأوروبي.

<span style=الصناعات العسكرية الأوروبية - أرشيفية">
الصناعات العسكرية الأوروبية - أرشيفية

وأخيرًا، تعميق الصدع الاستراتيجي بين شريكين رئيسيين في حلف الناتو، ما يُهدد كفاءة التنسيق الغربي في مواجهة التهديدات الجيوسياسية المتزايدة، ويُرسّخ ضرورة اعتماد لندن على مسارات ثنائية ومستقلة لضمان أمنها القومي.

مآلات الخروج من العمل الأمني الأوروبي

تشير الدلالات الرئيسية لفشل المحادثات إلى وجود فجوة مالية وسياسية عميقة بين الجانبين، إذ تمحور الخلاف بشكل أساسي حول قيمة المساهمة المالية التي يجب على لندن دفعها للمشاركة الكاملة في البرنامج، حيث طالبت المفوضية الأوروبية في البداية بمبلغ يصل إلى 6.5 مليار يورو، بينما عرضت بريطانيا مبلغًا أقل بكثير، مؤكدة أن أي اتفاق يجب أن يوفر "قيمة جيدة مقابل المال" لدافعي الضرائب البريطانيين، وأن يخدم المصالح الوطنية والصناعات الدفاعية المحلية. ويركز رفض لندن دفع المبلغ المطلوب على الأولوية التي توليها للسيادة المالية وتفضيلها للمصلحة الاقتصادية على الاندماج الدفاعي الأوروبي الكامل.

<span style=الصناعات العسكرية الأوروبية - أرشيفية">
الصناعات العسكرية الأوروبية - أرشيفية

وفي سياق أوسع، يكشف انهيار المفاوضات عن تحديات أمام مساعي أوروبا نحو الاكتفاء الذاتي الدفاعي؛ فبالنظر إلى أن برنامج SAFE يهدف إلى تعزيز الصناعة الأوروبية عبر اشتراط أن تكون نسبة 65% من مشتريات الأسلحة والمعدات مُنتجة داخل دول التكتل، كان من شأن انضمام بريطانيا، بقاعدتها الصناعية الدفاعية المتقدمة، أن يرفع هذه النسبة ويوسّع نطاق العقود المتاحة.

وعلى الرغم من إعلان الفشل، أكدت المفوضية الأوروبية والحكومة البريطانية أن قنوات الاتصال لا تزال مفتوحة، وأن الشركات البريطانية "ستظل قادرة على المشاركة" ضمن شروط الدول الثالثة. ومع ذلك، تبقى الإشارة الأهم هي استمرار صعوبة بناء شراكة استراتيجية كاملة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في مرحلة ما بعد "بريكست"، خاصة في قطاعات حساسة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية بالسيادة الوطنية والأمن المشترك.

الآثار الاقتصادية على الصناعة الدفاعية البريطانية

يُعدّ أن تواجه شركات الدفاع البريطانية قيودًا تجارية جديدة ومحدودية في الوصول إلى سوق المشتريات الأوروبية الضخمة، وبموجب قواعد "الدول الثالثة" التي ستُطبق الآن، لا يمكن أن تتجاوز نسبة المكونات أو الخدمات المقدمة من هذه الشركات في أي مشروع يموَّل من برنامج SAFE حاجز 35% من قيمة المشروع الإجمالية.

الصناعة الدفاعية البريطانية - أرشيفية
الصناعة الدفاعية البريطانية - أرشيفية

يمثل هذا تراجعًا كبيرًا عن نسبة الـ 65% المخصصة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مما يُقلص حصتها السوقية المحتملة ويُضعف قدرتها التنافسية للحصول على عقود استثمار وتطوير أوروبية بمليارات اليورو.

علاوة على ذلك، فإن الإقصاء من الإطار الداخلي للبرنامج قد يُعيق بشكل فعال مشاركة الشركات البريطانية في المراحل المبكرة والحاسمة لتطوير المشاريع الدفاعية المشتركة. فبرنامج SAFE يهدف إلى تعزيز التعاون التكنولوجي المشترك بين الدول الأعضاء، وغالبًا ما تتطلب هذه المشاريع نقل التكنولوجيا وتوحيد المعايير بين الشركاء الأساسيين.

لا شك في أن تحول بريطانيا إلى شريك خارجي سيجعل دمج تقنياتها وخبراتها أمرًا أكثر تعقيدًا وبيروقراطية، مما قد يدفع الشركاء الأوروبيين إلى تفضيل الموردين داخل الاتحاد لتبسيط سلاسل الإمداد وتحقيق متطلبات السيادة الأوروبية في الدفاع، الأمر الذي يُهدد بفقدان بريطانيا مكانتها كشريك تقني رئيسي.

الصناعة الدفاعية البريطانية - أرشيفية
الصناعة الدفاعية البريطانية - أرشيفية

وفي ضوء هذه القيود، قد تُضطر الصناعة الدفاعية البريطانية إلى إعادة توجيه تركيزها بشكل أكبر نحو أسواق التصدير خارج أوروبا، أو تكثيف التعاون الثنائي مع دول أوروبية محددة بعيدًا عن إطار الاتحاد الأوروبي، مثل فرنسا وألمانيا، للحفاظ على استمرارية عقودها الحالية وتطوير مشاريع مستقبلية.

الصناعة الدفاعية البريطانية - أرشيفية
الصناعة الدفاعية البريطانية - أرشيفية

ومع ذلك، تبقى الإشارة الاقتصادية الأهم هي أن هذا الفشل يُرسّخ انفصالًا متزايدًا بين قواعد التصنيع والبحث الدفاعي في المملكة المتحدة والقارة الأوروبية، مما يفرض على لندن البحث عن استراتيجيات تمويل وتطوير بديلة ومستقلة للحفاظ على تفوقها التكنولوجي والدفاعي في ظل المنافسة العالمية الشديدة.

 

التأثير العسكري وانعكاس الفشل على حرب أوكرانيا

تلقي هذه التطورات بظلالها على جهود أوروبا لتعزيز قاعدة إنتاجها الدفاعي وتوحيد استجابتها العسكرية للأزمات، بما في ذلك الدعم الحاسم لأوكرانيا، إذ يُعد برنامج SAFE آلية تمويل ضخمة تهدف في الأساس إلى مساعدة الدول الأعضاء على شراء الأسلحة بشكل مشترك لتعويض مخزوناتها المستنزفة بسبب إرسالها إلى كييف، ولزيادة القدرة الإنتاجية في مواجهة العدوان الروسي.

وبالتالي، فإن غياب لاعب بحجم بريطانيا، كقوة عسكرية وصناعية كبرى، يعني أن الاتحاد الأوروبي سيضطر إلى المضي قدمًا بأدوات مالية أقل قوة لتعزيز الإنتاج العسكري.

لكن التأثير العسكري الأبرز يكمن في تباطؤ وتيرة إعادة التسلح الأوروبية والحد من الكفاءة في دعم أوكرانيا، فبينما تُعد بريطانيا شريكًا رئيسيًا في حلف الناتو ومن أوائل الداعمين العسكريين والماليين لكييف، كان انضمامها لـ SAFE سيعزز بشكل كبير من اقتصاديات الحجم للمشتريات الأوروبية المشتركة.

بالإضافة إلى ما سبق، فإن الشراكة الكاملة تتيح دمج الخبرات والتقنيات البريطانية المتقدمة (خاصة في أنظمة الدفاع الجوي والذخائر) بسلاسة أكبر في خطط الإنتاج المشتركة. حاليًا، سيقتصر تعاون لندن على ترتيبات ثنائية أو من خلال إطار "الدولة الثالثة" في SAFE، مما يزيد التعقيد البيروقراطي وربما يُبطئ وتيرة إرسال الدعم العسكري الأساسي الذي تحتاجه أوكرانيا على الجبهة.

الصناعات العسكرية الأوروبية - أرشيفية 
الصناعات العسكرية الأوروبية - أرشيفية 

ومع ذلك، من الضروري الإشارة إلى أن الفشل في الانضمام إلى SAFE لا يُوقف بالكامل مساهمة بريطانيا في المجهود الحربي الأوكراني، فالدعم البريطاني لأوكرانيا يتم عبر قنوات متعددة، أبرزها الناتو والاتفاقيات الثنائية المباشرة (مثل الاتفاقيات الأمنية طويلة الأجل التي وقعتها لندن مع كييف). هذه الترتيبات المستقلة ستستمر، وتؤكد الحكومة البريطانية التزامها الثابت تجاه أوكرانيا.

ختامًا:

 فإن الانعكاس السلبي يكمن في إرسال رسالة سلبية عن التنسيق الغربي الموحد في مواجهة روسيا، وقد تستغل موسكو هذا التصدع في العلاقات بين لندن والكتلة الأوروبية كدليل على التحديات الداخلية في الجبهة الموحدة لدعم كييف، كما أن هذا الفشل يُعزز اعتماد أوروبا على نفسها لبناء "الاستقلال الاستراتيجي" في الدفاع، وهي عملية طويلة المدى وحاسمة في ظل الشكوك حول الالتزامات الأمريكية المستقبلية.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء