فقهاء القانون يحسمون الجدل.. لماذا لا تملك الإدارية العليا حل البرلمان؟
تسيطر حالة من الترقب والتخوف غير المسبوق على الساحة السياسية والبرلمانية في البلاد، إثر صدور أحكام قضائية حاسمة وتاريخية عن المحكمة الإدارية العليا، قضت بإلغاء نتائج الانتخابات في 29 دائرة كاملة من دوائر المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب 2025.
هذه الأحكام، التي ألغت قرارات الهيئة الوطنية للانتخابات وأسقطت جولة الإعادة المقررة فيها، تُشكل سابقة دستورية وتشريعية لم تحدث من قبل، ما خلق حالة من "الارتياب" تجاه "الحالة المبهمة" التي تكتنف موعد انعقاد البرلمان الجديد وصحة عضوية عدد من نوابه.
ومع تصاعد المخاوف بشأن السيناريوهات المحتملة لمستقبل المجلس، بادر الفقهاء الدستوريون بالتوضيح لـ إيجبتكِ الموقف القانوني الدقيق والمسارات الدستورية التي يمكن اتباعها لتجاوز هذه الأزمة غير المتوقعة وغير المسبوقة.
تفاصيل الأحكام.. 29 دائرة في 10 محافظات تحت مقصلة الإلغاء
أصدرت المحكمة الإدارية العليا أحكامًا نهائية وباته بقبول 29 طعنًا قضائيًا على نتائج انتخابات مجلس النواب 2025، للمرحلة الأولى، وقضت بإلغاء إعلان النتيجة وإعادة الانتخابات في تلك الدوائر، التي تتوزع على 10 محافظات، مشيرة إلى أن الإلغاء سيترتب عليه تحديد نطاق الإعادة بصورة دقيقة من آخر إجراء صحيح، يضاف إليهم 19 دائرة صدر لهم قرار إلغاء من الهيئة الوطنية للانتخابات، ليصبح بذلك المجموع 48 دائرة انتخابية ملغاة.
محافظات ضربتها عاصفة الإلغاء (29 دائرة)
الجيزة (7 دوائر): الجيزة، البدرشين، بولاق الدكرور، العمرانية والطالبية، الأهرام، أول أكتوبر، منشأة القناطر.
المنيا (5 دوائر): قسم أول المنيا، مغاغة، أبوقرقاص، ملوى، ديرمواس.
البحيرة (4 دوائر): المحمودية، حوش عيسى، الدلنجات، كوم حمادة.
أسيوط (3 دوائر): قسم أول أسيوط، القوصية، أبوتيج.
الأقصر (3 دوائر): بندر ومركز الأقصر، القرنة، أسنا.
أسوان (2 دائرة): نصر النوبة، أدفو.
الوادي الجديد (2 دائرة): الخارجية، الداخلة والفرافرة.
الفيوم (1 دائرة): سنورس.
سوهاج (1 دائرة): البلينا.
الإسكندرية (1 دائرة): قسم أول المنتزه.
سيناريوهات الفقهاء لانعقاد البرلمان
كشف الدكتور صلاح فوزي، الفقيه الدستوري، عن الموقف القانوني والدستوري المترتب على هذه الأحكام، موضحًا أن المحكمة الإدارية العليا تطبق نص المادة 210 من الدستور، ولا تُعد أحكامها تجاوزًا لصلاحيات الهيئة الوطنية، بل هي ممارسة لحق التقاضي المكفول دستوريًا.

ثلاث أنواع من الأحكام القضائية.. تفرقة دقيقة بين الاختصاصات
أوضح "فوزي" في تصريحات خاصة لـ إيجبتكِ أن أحكام المحكمة الإدارية العليا انقسمت إلى 3 أنواع رئيسية في التعامل مع الطعون:
الحكم بعدم القبول: لانتفاء الصفة والمصلحة، كما في طعن مرشح فردي على نتيجة القائمة، وهنا يصبح قرار الهيئة الوطنية نافذًا.
الحكم بعدم الاختصاص والإحالة للنقض: ويخص الدوائر التي أُعلن فيها فوز مرشحين نهائيًا، اعتبرت المحكمة أن الناجح اكتسب صفة "عضو البرلمان"، وبالتالي ينعقد الاختصاص لـمحكمة النقض للفصل في "صحة العضوية" وليس الإدارية العليا.
الحكم بقبول الطعن وإلغاء القرار: وشمل الـ 29 دائرة المذكورة، حيث قضت المحكمة بإلغاء إعلان النتيجة، مما يترتب عليه إعادة الانتخابات.
لا فراغ تشريعي.. وتأجيل الانعقاد "وارد"
وأكد الفقيه الدستوري أنه "لا توجد مشكلة دستورية إطلاقًا" في حال تأخر انعقاد مجلس النواب عن موعده المتوقع (11 يناير المقبل)، مشددًا على عدم وجود فراغ تشريعي. وأشار إلى أن الدستور عالج هذا الأمر صراحة، حيث تنص المادة 156 على أنه إذا كان المجلس غير قائم، يجوز لرئيس الجمهورية إصدار قرارات لها قوة القانون، على أن تُعرض على المجلس الجديد بعد انعقاده للموافقة عليها.

المحكمة تحدد الإلغاء من "آخر إجراء صحيح"
فيما يتعلق بطريقة إعادة الانتخابات في الدوائر الملغاة، أوضح الدكتور صلاح فوزي أن حيثيات الحكم هي التي ستحدد نقطة البدء، حيث يرتد الأمر إلى آخر إجراء انتخابي صحيح.
وقال: "هل نعيد من مرحلة الترشح؟ أم الدعاية؟ أم الاقتراع؟ أم أن الخطأ كان في الفرز فقط؟" مشيرًا إلى أن الهيئة الوطنية للانتخابات هي المنوط بها وضع جدول زمني جديد، وليس شرطًا أن تُضم الانتخابات الملغاة لجولة الإعادة القريبة.
محكمة النقض.. الاختصاص الحصري في صحة العضوية وتحديد المواعيد
حسم فوزي الجدل حول صلاحيات الجهات القضائية، مؤكدين أن محكمة النقض هي الجهة الوحيدة المختصة بالفصل في صحة عضوية النواب.
"النقض" لا تحل البرلمان.. ولكنها تسقط العضوية بأثر فوري
ونفى الدكتور صلاح فوزي بشكل قاطع أن تؤدي أحكام محكمة النقض بإلغاء عضوية نائب أو أكثر إلى "حل البرلمان".
وأوضح: "حل البرلمان يتطلب قرارًا من رئيس الجمهورية واستفتاء الشعب... أما محكمة النقض فدورها الفصل في صحة العضوية"، وإذا قضت ببطلان العضوية، يتم إجراء انتخابات تكميلية على المقعد.
فيما أشار الفقيه هشام فهمي إلى أن الطعن أمام محكمة النقض يُقدم بحد أقصى خلال (30) يومًا من تاريخ إعلان النتيجة النهائية للانتخابات، عملًا بالمادة (107) من الدستور.

وبين في تصريحات خاصة لـ “إيجبتكِ” أن حكم النقض بإبطال العضوية يكون بأثر فوري، ولا يكون له أثر رجعي على أي قرارات أو أعمال قام بها العضو قبل صدور الحكم.
إشكالية الأغلبية وتعديل الدستور.. الأثر على انعقاد البرلمان
نوه "فهمي" إلى إشكالية قد تحدث إذا انعقد المجلس وكان هناك عدد كبير من الأعضاء لم يُبت في صحة عضويتهم بعد.
مؤكدًا على أن الأهم هو ألا يقل عدد الأعضاء الصحيحة عضويتهم عن "ثلثي المجلس" لتمرير القرارات والقوانين المكملة للدستور أو تعديل الدستور.
وأوضح أنه إذا كان العدد المتاح أقل من الثلثين، ستظل العضوية صحيحة ولكن سيكون اختصاص المجلس "مقيدًا"، بينما لو كان العدد أقل من 50% وهو أمر مستبعد، فإن المجلس لا يمكنه الانعقاد، وهنا يتم اللجوء لنص الدستور الخاص برئيس الجمهورية في إصدار قرارات بقوانين.
دعوة لإعادة التقييم.. فرصة لمراجعة التجربة الانتخابية
بدوره اعتبر الدكتور صلاح فوزي، أن هذه السابقة التشريعية والدستورية غير المسبوقة تفرض ضرورة لإعادة تقييم التجربة الانتخابية كاملة بعد انتهاء الموسم الانتخابي وتشكيل المجلس.
المحكمة الإدارية العليا لا تملك صَلاحِيَة إلغاء انتخابات مجلس النواب
بدوره أكد المحامي أسعد هيكل، المتخصص بالنقض والإدارية العليا، أن المحكمة الإدارية العليا لا تملك صلاحية إلغاء انتخابات مجلس النواب برمتها، مشيرًا إلى أن سلطتها تقتصر فقط على إبطال نتائج مرحلة معينة أو عدد محدد من الدوائر، التزامًا بأحكام المادة 12 من القانون المنظّم لعمل الهيئة الوطنية للانتخابات والتي تقيدها بالنظر في الطعون ضد قرارات الهيئة.
وأوضح هيكل أن الفصل في صحة عضوية النواب هو اختصاص حصري لمحكمة النقض وفقًا للمادة 29 من قانون انتخابات مجلس النواب، وهو ما يفسر عدم إمكانية الإدارية العليا إعلان بطلان الانتخابات كاملة، إذ تلتزم بالحدود القانونية المقررة.
وشدد هيكل، على دقة الفصل بين اختصاصات القضائين؛ فالدوائر التي أُعلن فيها فوز مرشحين من الجولة الأولى بشكل نهائي، مثل دوائر الجيزة والمنتزه والمحمودية، تنتقل الطعون المتعلقة بنتائجها لتصبح من اختصاص محكمة النقض وحدها.

