النصب على الموضة.. مجرمون يحولون أموال الضحايا إلى أحذية وحقائب فاخرة
تُدهش قصص الاحتيال عبر الرسائل النصية البريطانيين يومًا بعد يوم، بينما تكشف مداهمات الشرطة أن المحتالين لا يكتفون بسرقة أموال الضحايا، بل يستثمرونها فورًا في بناء خزائن مترفة من الأحذية والحقائب الفاخرة، وكأنهم يفضلون تحويل الجريمة إلى عرض أزياء لا ينتهي.
وتُظهر غرفة الأدلة التي يتجول فيها المفتش بول كورتيس أن هذه الشبكات لا تترك أثرًا ماليًا، بل تترك أثرًا جلديًا لامعًا من ماركات عالمية، في مفارقة ساخرة تُجسد كيف أصبح الاحتيال الرقمي بابًا لحياة مترفة على حساب البسطاء.
الشرطة تجرد الأحذية
ويقول مفتش التحقيقات بول كورتيس إن المحتالين الذين يجنون عشرات الآلاف من الجنيهات عبر الرسائل النصية لا يدّخرون شيئًا، بل ينفقونه فورًا، بينما يشير بيده إلى غرفة أدلة تبدو أشبه بمتجر فاخر، تزدحم بأحذية وحقائب يد مصممة بعناية، حسبما ذكرت “BBC”.
ويضيف كورتيس أن ما يصل إلى 10 آلاف قطعة من الأدلة مكدسة أمامه، موضحًا أن جميعها صودرت من شبكات احتيال مالي تعتمد في جزء كبير من نشاطها على رسائل "سميشينغ" التي تُرسل تحت غطاء بنوك أو شركات موثوقة.

ويتابع قائلًا إن المحتالين يعيشون حياة مترفة بفضل عمليات التفتيش والمداهمات التي نفذتها الشرطة، مشيرًا إلى أن قيمة الأحذية وحقائب اليد المضبوطة تُقدر بعشرات الآلاف، وأن رائحة الجلد الفاخر تكاد تطغى على رائحة الجريمة.
ويشرح أن "السميشينغ" هو مزيج بين الرسائل القصيرة SMS والتصيد الاحتيالي، حيث يتلقى الضحايا رسائل مزيفة تطلب منهم بيانات حساسة تُستخدم لاحقًا لسحب أموالهم، مؤكدًا أن هذا الأسلوب يشكّل العمود الفقري لعمليات النصب الحديثة.
ويقول كورتيس إن وحدته وهي جزء من وحدة مكافحة الجرائم المتعلقة بالبطاقات والدفع تضم ضباطًا من شرطة مدينة لندن والشرطة العاصمة، وتعمل على مستوى وطني بتمويل من القطاع المصرفي لمكافحة الاحتيال المالي المتنامي.
15 ألف رسالة خلال 5 أيام فقط
ويكشف المفتش أن إحدى القضايا الحديثة تضمنت إرسال 15 ألف رسالة خلال 5 أيام فقط، مُقدّرًا أرباح المتهم الشهرية بنحو 100 ألف جنيه إسترليني، في جريمة قادها الطالب الصيني رويشين شيونغ، الذي كان يجوب لندن في سيارته ويرسل الرسائل إلى عشرات الآلاف.
ويقول إن شيونغ أُدين بالاحتيال وقضت المحكمة بسجنه 58 أسبوعًا في يونيو الماضي، بعد اعترافه بإرسال الرسائل بغرض التمثيل الاحتيالي.
ويشير إلى أن تقرير "أوفكوم" أظهر أن نصف مستخدمي الهواتف في بريطانيا تلقوا رسائل مشبوهة ما بين نوفمبر 2024 وفبراير 2025، ما يعكس حجم الظاهرة واتساعها.
ويقول جيديون رابينوفيتش، وهو ضحية يبلغ من العمر 64 عامًا، إنه شعر بأنه "أحمق كبير" بعد تعرضه للاحتيال وسرقة أكثر من ألف جنيه عقب تلقيه رسالة اعتقد أنها من البنك، مؤكدًا أن التجربة تركته في حالة صدمة لعدة أيام.
ويضيف رابينوفيتش أنه تلقى رسالة تطلب منه تأكيد معاملة مجهولة، وفي غضون ساعتين ونصف وجد 1400 جنيه قد اختفت، مشيرًا إلى أن المحتالين عرفوا هويته ومكان سكنه ما جعله يشعر بانتهاك خصوصيته.

ويتابع أن غالبية الرسائل الاحتيالية تنتحل صفة شركات كبرى وتحتوي روابط تقود إلى مواقع مزيفة تطلب بيانات مالية تُستخدم لسحب الأموال من حسابات الضحايا.
ويقول كورتيس إن عمليات الاحتيال تتم غالبًا باستخدام جهازين رئيسيين: مزارع SIM التي تضم عشرات البطاقات لإرسال آلاف الرسائل، و"مُبرد الرسائل" الذي يخدع الهواتف القريبة ويرسل سيلاً من الرسائل خلال ثوانٍ.
ويضيف أن مزارع SIM التي عُرضت على فريق التحقيق تحتوي على ما يصل إلى 64 بطاقة في وقت واحد، ما يجعلها أداة فعالة للمحتالين الذين يعتمدون على الكثافة الهائلة في الإرسال.
الجرائم الإلكترونية
وتقول الحكومة البريطانية، في بيان، إن هذه العمليات تُحدث آثارًا مدمرة على الضحايا، معلنة أن ميثاق الاتصالات الجديد يفرض إجراءات لحماية الرسائل النصية وحظر مزارع SIM نهائيًا.
ويؤكد البيان أن الحظر سيدخل حيز التنفيذ أواخر العام المقبل، ما سيجعل امتلاك أو توفير مزارع SIM دون مبرر قانوني جريمة يعاقب عليها القانون.
ويقول خبير الأمن السيبراني كيران مارتن إن هذه الجرائم من الصعب مراقبتها لأن الكثير منها يأتي من الخارج، وحتى داخل المملكة المتحدة يمكن تنفيذها بسهولة وبصعوبة تتبع، مشيرًا إلى أن الحل ليس أمنيًا فقط بل توعوي أيضًا.
ويضيف مارتن أن الشركات الكبرى لا تطلب أبدًا من العملاء تحويل الأموال عبر الرسائل النصية، وأن تطوير آليات تحقق رقمية موثوقة بات ضرورة لمنع الاحتيال.
وتوصي الشرطة بعدم النقر على أي روابط واردة من مصادر مجهولة، وحال وقوع السرقة يجب إبلاغ "أكشن فراود" والبنك وإعادة توجيه الرسالة إلى الرقم 7726 لمساعدة شركات الاتصالات على التحقيق.