بين الحبر والدخان.. كيف ارتبطت السيجارة بالكتابة العربية؟
ممسكًا بسيجارة بين أصابعه، يغرق الكاتب في عالمه الخاص، ينكب على الورق بحركة متوترة، وكأن كل نفَس دخان يحمل معه شرارة الأفكار أو جرعة الإلهام، هذه الصورة المألوفة للكاتب في الأدب والسينما صارت رمزًا منقوشًا في الأذهان، وكأن الكاتب لا يكتب إلا برائحة التبغ تتصاعد حوله، وسحابة دخان تتلوى في الهواء، تخبرنا بحضوره وقلقه واندفاعه نحو الكتابة، مثال على ذلك الكاتب السوري الراحل ممدوح عدوان، الذي كانت سيجارته في يده اليسرى لا تفارقه، وسعاله المستمر يشكل جزءًا من حضوره في الندوات واللقاءات الثقافية.
الكتابة وإلهام الدخان
المُلاحظ في حياة المثقفين العرب بشكلٍ خاص أن السيجارة انصهرت في شخصياتهم، فهناك الكثير من صور الكتّاب والفنانين والمفكرين التقطت لتظهرهم وكأنهم مضطربون، يحدقون في الأفق، ينفثون الدخان، ويحتسون القهوة، في محاولة لرصد أسرار الوجود وإلهام الأفكار، حتى فتح هذا الربط المتكرر بين الإبداع والتدخين باب التساؤل عن سبب تعلق المثقفين بالسيجارة رغم مخاطره الصحية، وهو سؤال يربط بين العادات الاجتماعية، والتمثيلات الفنية، والتاريخ الطويل للتبغ، الذي أضفى على السيجارة رمزية أعمق من مجرد مادة للاستهلاك.
اعتمد العديد من الكتّاب العرب التدخين كجزء من حياتهم اليومية وعملهم الإبداعي، ومن بينهم محمد شكري، نجيب محفوظ، محمد الماغوط، غسان كنفاني، ومحمود درويش، فالسيجارة بالنسبة لهم لم تكن مجرد رفاهية أو عادة، بل كانت ترافقهم في أثناء تأملاتهم، أفراحهم وأحزانهم، وحتى لحظات الكتابة المكثفة.

السيجارة في الأدب
اعتمد المفكر الروماني إميل سيوران على التبغ والقهوة كمساعدين لكتابة كتبه، مشيرًا إلى أن انقطاع التدخين كان يوقف إبداعه بالكامل، كما أن الشعر العربي لم يغفل أيضًا هذا الرابط بين التدخين والإبداع، مثلما فعل نزار قباني في قصيدته «صديقتي وسجائري»، التي تجسد علاقة شاعرية بين الحواس والإلهام، حيث تمتزج رائحة التبغ بصوت الكلمات وأجواء القهوة والورق، وقال فيها: «واصلي تدخينك يغريني.. رجلٌ في لحظة تدخينِ.. ما أشهى تبغك والدنيا.. تستقبل أوّل تشرينِ.. والقهوة والصحف الكسلى.. ورؤًى وحطام فناجينِ».
على الجانب الآخر، هناك أدباء ومفكرون اختاروا عدم التدخين أو أقلعوا عنه، مثل الشاعر أدونيس، الفيلسوف جون بول سارتر، والروائي جابرييل جارسيا ماركيز، وحتى جبران خليل جبران الذي لم يكن معروفًا عنه التدخين سوى في لقطة نادرة.