يتساءل الكثيرون عن سبب انحدار مستوى الأخلاقيات لدى قطاع كبير من الشباب في الآونة الأخيرة، والحقيقة أن عوامل كثيرة أدّت إلى هذه المشكلة، وفي مقدّمتها غياب الإرشاد الأسري، لا سيما في العقد الأخير، مع دخول وسائل السوشيال ميديا، وتوافر جهاز الهاتف في يد كل إنسان.
وفي الحقيقة، فإن الأسرة يجب أن تُفرّق بين الرعاية والتربية، فالرعاية هي توفير المأكل والمشرب والملبس، ومستوى التعليم والصحة المناسبين، أما التربية فليست سوى عملية من التلقين والإرشاد والتوجيه، ونقل الخبرات بين الأبوين والأبناء.
ولقد ترتّب على تراجع مستوى الإرشاد الأسري غياب كبير في وعي الأبناء، فيلجأ الابن الذي يعاني من حالة خواء معرفي داخل أسرته إلى روافد خارجية يستقي منها خبراته، ومن هذه المؤثرات أو الروافد وسائل التواصل الاجتماعي بأنواعها، وما يقدمه التلفزيون، والصحبة والرفقة الصالحة أو السيئة وما تقدمه من مفاهيم. ومن هنا كانت المشكلة الكبيرة.
فالأسرة، لأنها الأحرص على الإنسان، فهي حريصة على أن تقدّم له النافع من الخبرات والمفاهيم، وحينما غاب دور الأسرة، حَلَّت محلّها هذه الوسائل بما تقدمه من الغث والثمين.
هذا لا يعني أن الأسرة في كل الأحوال تقدّم للإنسان ما ينفعه، بل إن كثيرًا من الإشكالات التربوية تحصل داخل أسرنا، ويترتب عليها مشكلات كبيرة في حياة الأبناء، لكننا لا نستطيع في كل حال أن نقارن بين جهد الأسرة في الحفاظ على أبنائها، وبين هذا الخبط العشوائي من المفاهيم التي تقدّمها المؤثرات الخارجية المسلّطة على أبنائنا ليل نهار.
ومن المهم أن نذكر أن الآباء والأمهات أيضًا يعانون اليوم من تعلّق كبير بوسائل التواصل الاجتماعي، وهذا يحجبهم في كثير من الأحيان عن التواصل مع أبنائهم.
فهم يمضون بعد انتهاء وقت العمل، وبعد عودة الأب من وظيفته، وانتهاء الأم من عملها وشؤونها المنزلية، إلى "المستراح" وهو الهاتف بما يقدمه من مواد ترفيهية.
وفي الحقيقة، فإن بناء الوعي الإنساني يبدأ من بيئته التعليمية الأولى، وهي الأسرة.
وعلى كل أب وأم أن يعلما جيدًا أنهما يجب أن يسارعا إلى هدم جميع الحواجز مع أبنائهم، وأن يعطي الآباء من أنفسهم ومن أوقاتهم ما يلزم أبنائهم لحل مشكلاتهم المعرفية والسلوكية والنفسية، فهذا هو الطريق إلى إصلاح حالهم على المدى البعيد.
يتبع إن شاء الله.