بين الحب والفن.. 10 محطات لا تنسى في حياة المطربة الراحلة ذكرى
زارها شعور الفقد منذ الصغر حين خطف الموت والدها، فكانت تلك الصدمة الأولى التي تركت أثرها العميق في قلب الطفلة التي هربت إلى حضن والدتها بحثًا عن الأمان، وقبل أن تجد الطمأنينة، رحلت أمها أيضًا، لتبقى وحيدةً في عالمها الصغير، تتقاذفها الموهبة فوق أمواج القدر حتى رست سفينتها في مرفأ الذاكرةِ والوجد، لتظل بعد رحيلها حاضرةً بصوتها واسمها الذي أصبح مرادفًا للذكرى نفسها.
تأثير الأسرة على تكوين وجدانها الفني
وُلِدت المطربة التونسية الراحلة ذكرى في 16 سبتمبر 1966، في أسرة تضم تسعة أشقاء، وتصادف في ذلك اليوم أن والدها كان يحتفل بذكرى تأسيس الحرس الوطني التونسي، وهو ما ألهمه تسميتها بـ«ذكرى».
تربت في بيت ملؤه الحنان والتشجيع، إذ كان والدها مناضلًا يدعم موهبتها، في حين كانت والدتها رمز الصرامة والحزم، مما أعطاها توازنًا في حياتها بين الحرية والالتزام.
عرفت ذكرى منذ الصغر صوت الفن في بيتها، فتأثرت بترتيل والدها للقرآن صباحًا ودندنة أغاني أم كلثوم وعبدالوهاب مساءً، ما شكّل وجدانها الفني، موقنةً منذ مرحلة مبكرة أن والدها يحمل في داخله موهبة فنية حقيقية، وإن لم تتح له الفرصة ليصبح مطربًا.
درست ذكرى في مدرسة «وادي الليل» الابتدائية قبل الانتقال إلى ابتدائية الخازندار، التي برزت فيها موهبتها الأكاديمية خاصةً في اللغة العربية والفرنسية، وكانت دائمًا متأملة، تبحث عن فهمٍ أعمق للأمور، وعندما بلغ عمرها 17 عامًا، دخلت تجربة الحب مع مدرس موسيقى دام ست سنوات، لكنها واجهت الفشل لأول مرة بسبب القيود والغيرة الفنية، لكنها أكدت لاحقًا أن الحب جزء أساسي من حياتها.
المشاركة في المسابقات والانطلاقة الأولى
تميزت ذكرى بقدرتها على أداء جميع ألوان الطرب منذ صغرها، وشاركت في برنامج المسابقات «بين المعاهد» عام 1980 بأغنية «اسأل عليا» لليلى مراد، قبل أن تحقق الفوز في برنامج الهواة «فن ومواهب» يوم 23 يوليو 1983 بأداء رائع لأغنية «الرضا والنور» لأم كلثوم، وفي العام نفسه سجلت أول أغنية لها بعنوان «يا هوايا» وأحيت حفلًا في مهرجان قرطاج بتونس.
ثم انضمت بعدها إلى فرقة الإذاعة والتلفزة التونسية، وهناك التقت بالموسيقار عبدالرحمن العيادي الذي لحن معظم أغانيها فيما بعد، وخلال عشر سنوات في تونس أصدرت نحو 30 أغنية، منها 28 لحنا لعبدالرحمن العيادي، أبرزها «لمن يا هوى»، «وطمن فؤادي»، «إلى حضن أمي»، و«ودعت روحي معاه».
بداية النجاح في مصر
في مصر، التقت الموسيقار الكبير بليغ حمدي الذي قدّر صوتها منذ اللقاء الأول في ليبيا، وأرسل لها شريطًا مسجّلًا دون أي مقابل مادي، لتسجل منه أغنيتين هما «زي الزمن» و«يا وابور».
أما الموسيقار هاني مهنى، فقد لاحظ موهبتها في 1991 أثناء تسجيل أغنيات مهرجان ليبي في مصر، وأقنعها بالاستقرار في مصر عام 1994 حيث وقعت معه عقد احتكار سبع سنوات وأنتج لها ألبومات ناجحة مثل «وحياتي عندك» و«أسهر مع سيرتك»، وتوالت إصداراتها بعد ذلك حتى ألبومها الأخير «يوم عليك» عام 2003 قبل وفاتها بثلاثة أيام.
وفي ليلة 28 نوفمبر 2003، هزّت مصر والعالم العربي صدمة خبر مقتل ذكرى ومدير أعمالها داخل شقتها في حي الزمالك على يد زوجها أيمن السويدي الذي انتحر بعد الجريمة، لتترك وراءها إرثًا فنيًا خالدًا، واسمًا سيبقى محفورًا في ذاكرة محبي الطرب العربي كرمز للموهبة والذكرى التي تستمر إلى الأبد.