في إطار السجال الدائر حول قرار الإدارة الأمريكية بتصنيف عدد من فروع جماعة الإخوان على قوائم الإرهاب، وتداعياته على القوى الإقليمية التي تمثل حاضنة استراتيجية للقواعد التنظيمية والمسارات المالية، يقف دونالد ترامب في مواجهة "الإرث الفكري" لكل من حسن البنا وسيد قطب، اللذان يهيمنان على عقول الملايين من داخل قبرهما، وذلك في محاولة لاقتلاعه من جذوره بعد تمدده شرقًا وغربًا دون رادع حقيقي.
ليس مؤكدًا بالطبع، أن القرار التنفيذي الأمريكي يمثل محطة في تجفيف منابع التطرف الفكري لجماعة الإخوان، رغم أهميته _حال تنفيذه_ في محاصرة العمق التنظيمي، ووقف تمدد إمبراطوريته الاقتصادية والتجارية، التي منحته ضمانة البقاء، لاسيما في ظل حالة الصراخ التي انتابت جبهات الجماعة وقياداتها، وفي مقدمتهم "جبهة لندن"، التي يمثلها حركيًا صلاح عبد الحق، وحلمي الجزار، ومحي الدين الزايط، ودخلت مؤخرًا على خط المواجهة، فأصدرت بيانًا أكثر ما يميزه "المراوغة السياسية"، في ظل نفيها لأي وجود للجماعة في الداخل الأمريكي، رغم وجود أكثر من 400 منظمة إخوانية، تتقدمها 10 مؤسسات كبرى، دخلت في شراكة مع الهيئات التنفيذية في عمق الولايات المتحدة الأمريكية، من بينها كير، وإسنا، وماس، وماباك.
وفي محاولة أخرى لخداع الرأي العام الإقليمي والدولي، اتجه بيان "جبهة لندن"، إلى التأكيد على فك أي ارتباط بين الجماعة وبين فروعها في الخارج، سواء في الغرب الأمريكي أو الأوروبي، في ظل جدية قرار الإدارة الأمريكية ببحث تصنيف الجماعة، ودفع الأمر إلى الجهة التنفيذية المعنية بإصدار القرار والمتمثلة في الخارجية الأمريكية، بعد مشاورة عدد من المؤسسات الأخرى مثل المخابرات الأمريكية، وهيئة الأمن القومي، والمدعي العام، ووزارة الخزانة، وهيئة الفيدراليات.
وكعادة جماعة الإخوان في التلاعب بالعاطفة الدينية، وصناعة "الهندسة النفسية" التي تعتمدها دائمًا في تخدير الدوائر الشعبية، لاسيما القريبة من منهجية الإسلام الحركي أو التي تدور في فلكه، التفَّ البيان على الإجراءات التصنيفية، في محاولة لإظهار الإشكالية في ضغوط اليمين المتطرف في الداخل الأمريكي والأوروبي، وصناعة صورة إيحائية بأن القضية تدور حول فكرة "المؤامرة على الإسلام"، وأن المقصود بهذه التوجهات التنكيل بالمسلمين وتحجيم تحركاتهم في الغرب. وهي إشكالية منافية للواقع والحقيقة، في ظل تمدد الجماعة ومؤسساتها في الغرب سواء في الإطار الدعوي والديني أو السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بما منحها فرصة السيطرة الكاملة على موارد الصدقات والتبرعات وإعادة تدويرها في مشاريع تجارية تضمن لها القدرة المالية التي تمثل عصب التنظيم، وذلك تحت مظلة تمثيلهم للمسلمين في الدول الأوروبية والغربية.
لم تنسَ قيادات "جبهة لندن" الاستعانة تقارير الهيئات البريطانية "مراجعة الإخوان المسلمين" التي صدرت في منتصف عام 2015، لتدعي تبرئة الجماعة من ساحة العنف أو الاقتراب من منهجيته فكريًا وحركيًا، في حالة منافية لواقعها التاريخي والعملي منذ تأسيسها عام 1928، في ظل تبني قياداتها للأدبيات التكفيرية التي صاغها حسن البنا وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي، فضلًا عن أن مختلف القيادات التي ساهمت في بناء وتطوير تنظيمات العنف المسلح مثل داعش والقاعدة وبوكو حرام، تربّوا فكريًا وتنظيميًا داخل عباءة الجماعة.
جاءت تقارير الهيئات البريطانية التي نفت صفة ممارسة العنف عن الإخوان وفق العلاقة الاستراتيجية والتاريخية بين الجماعة و"المخابرات البريطانية" التي موّلتها وصنعتها ووظفتها في ضرب العمق العربي والأوروبي بما يحقق مصالحها السيادية والاستعمارية، فضلًا عن الدور البارز للتنظيم في إسقاط الأنظمة السياسية العربية، وتمزيق الدول العربية، مثلما حدث في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها، بجانب فشل مشروعها السياسي في الجزائر والمغرب والكويت والأردن.
على الجانب الآخر، زعمت "جبهة تركيا" التي يتزعمها محمود حسين، – في بيان لها – أن الجماعة تمثل صمام أمان ضد التطرف والعنف، متجاهلة حجم البيانات والتقارير التي نشرتها للتحريض ضد مؤسسات الدولة المصرية، لاسيما الأمنية والعسكرية، وتناسَت كذلك تصريحات مجدي شلش على شاشة قناة "مكملين"، حين قال إن "سلميتنا أقوى بالرصاص"، معلنًا أن الجماعة لا تعرف على مدار تاريخها مبدأ "المهادنة" أو "السلمية"، وأنها ليست من ثوابتها أو أدبياتها.
بينما سارعت جبهة "المكتب العام" أو جبهة "التغيير"، التي يقودها محمد منتصر ويحيى موسى، إلى اعتبار أن الإجراءات الأمريكية ليست سوى محاولة لتقويض حرية الأمة الإسلامية، في حالة اختصرت فيها أو دمجت فيها بين "الجبهة الإخوانية" و"الأمة الإسلامية"، في إطار مقاربة بأنها تمثل المسلمين وليست جماعة من المسلمين، واصفة القرار بأنه محاربة لحركات "التحرر" التي تقود الأمة العربية والإسلامية إلى المسار الإصلاحي، متناسية الدماء التي سالت على أيدي عناصرها من حركتي "حسم" و"لواء الثورة"، وكذلك تصنيفها على "قوائم الإرهاب"، ودورها على مدار السنوات الأخيرة في إنتاج المئات من البيانات التي تدعو للانقلاب المسلح على الدولة المصرية ومؤسساتها، من خلال بناء دوائر موازية وارتكازات مسلحة في المدن والقرى والأقاليم لتمرير مشروعها التخريبي.
رغم أن قرار تصنيف فروع "الإخوان" في مصر ولبنان والأردن يمثل مسارًا للضغط على القوى الإقليمية الفاعلة في المنطقة العربية لتمرير سيناريوهات متعلقة بخريطة الشرق الأوسط، حول الأهداف الإسرائيلية في المنطقة العربية، عن طريق تحجيم المجموعات القريبة والداعمة لحركتي "حماس" و"حزب الله"، في إطار "الحرب الوقائية" ومنع محاولة إعادة هيكلة بنائها العسكري مرة أخرى، فإن الجماعة تعتبر أن ما يُخطط لها يمثل تضحية بها بعد سنوات من خدمتها للوبي والكفيل الأمريكي الذي تلاعب بها مرارًا في خدمة مآلاته الخاصة.
المعركة التي صنعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحريك المياه الراكدة حول جماعة الإخوان وفروعها في العالم العربي والغربي، ستجعلها في حالة استعداد على أكثر من مستوى، ما بين الضغط على شركائها الإقليميين لتفادي قرارات التصنيف، والاتجاه إلى دوائر صنع القرار الغربي والأمريكي التي قدمت لها الجماعة الكثير من الخدمات الوظيفية، سواء من خلال لعب الدور الاستخباراتي في المعلومات حول الجاليات العربية والإسلامية في الغرب، أو التقارير المتعلقة بالأوضاع الداخلية والأنظمة السياسية في دول المنطقة العربية، بهدف تخفيض تأثير القرار أو عدم تفعيله أو اعتباره مجرد حالة دعائية يتم استخدامها وقت الحاجة فقط.
جماعة الإخوان لا يعنيها في النهاية سوى المحافظة على الإمبراطورية المالية الضخمة التي صنعتها على مدار أكثر من 90 عامًا من المصادرة، خاصة أنها قادرة على إعادة إنتاج كياناتها تحت مسميات اجتماعية ودعوية جديدة غير مؤدلجة ظاهريًا، تمكنها من الحفاظ على "سبوبة" الصدقات والتبرعات، فضلًا عن انتقالها إلى الدائرة الافتراضية في الاستقطاب والترويج الفكري عبر الوسائل المختلفة والمتنوعة التي صنعتها على منصات التواصل الاجتماعي، مع وجود "حواضن ومظلات سياسية" تمنح قياداتها – في حال تصنيفهم – حرية الحركة داخل الأراضي التي يختبئون بها في ظل التقارب بين الجماعة وأنظمة هذه الدول.