لم تعد التنظيمات المتطرفة في عصرنا الحديث تعتمد على السلاح التقليدي وحده لتحقيق أهدافها، بل وجدت في الإعلام الرقمي منصة واسعة للعمل الدعائي والتجنيد والتأثير النفسي.
ومع التطور الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي، باتت هذه الجماعات تنظر إلى النشاط الإعلامي بوصفه "جهادًا" موازيًا لساحات القتال، وتعمل على غرس هذا المفهوم بين مؤيديها عبر خطاب متطرف يُقدَّم بفتاوى مغلوطة وتوجيهات متكررة.
وفي عام 2017، أصدر أحد التنظيمات فتوى واضحة تدعو أتباعه إلى التواجد الدائم على منصات التواصل، معتبرًا أن هذا الوجود يمثّل شكلًا من أشكال المواجهة مع الخصوم. وجاء في نص الفتوى: "تواجدوا على تويتر فهو بمثابة النزال مع الأعداء، أحكموا الحسابات وأكثروا منها وانقلبوا على الكافرين"، وهو خطاب يعكس رغبة التنظيم في بناء جيوش إلكترونية قادرة على نشر رسائله وإعادة إنتاج خطابه المتطرف.
ولم يكتفِ التنظيم بذلك، بل بثّ في أحد مقاطعه المرئية وصية لأفراده شدّد فيها على أهمية الصمود الإعلامي مهما واجهوا من إجراءات تقنية: "فإذا أغلقوا لكم حسابًا واحدًا فأنشئوا ثلاثة، وإن أغلقوا ثلاثة فاصنعوا ثلاثي، ألهبوا لهيب الغزوات لخلق مناخ القلق واليأس على جميع منصاتهم". ويكشف هذا التوجيه عن رغبة الاستنزاف الرقمي، وتوظيف كثافة الحسابات لإرباك المنصات وصنّاع القرار.
وفي وصية أخرى نشرها التنظيم عبر مواقع التواصل، جاء خطابه أكثر تحفيزًا، إذ خاطب عناصره بقوله: "وأنت على هذا الثغر الإعلامي تذكر فضل الله عليك ولا يعجبك فعلك، وانظر إلى حالك بعين التقصير". وهي صيغة تهدف إلى تأكيد فكرة "الثغر الإعلامي" باعتباره جبهة لا تقل أهمية عن ساحات القتال.
وفي العدد رقم 289 من جريدته الأسبوعية، نشر التنظيم مقالًا بعنوان "الإعلام المناصر" رفع فيه شعار: "أنت مجاهد أيها الإعلامي"، كما استعاد وصية أحد قادته الذي قُتل عام 2010، موجّهة إلى العاملين في إعلامي التنظيم، جاء فيها: "الزم ثغرك فنحن نحتاجك في مكانك، إياك أن تحسب أن عملك نافلة من القول أو الفعل، عملك فرض عليك فاجتهد فيما حُمّلت من أمانة".
تكشف تلك النصوص الإفتائية مجتمعة عن إدراك التنظيمات المتطرفة لأهمية الفضاء الرقمي ودوره في تشكيل الرأي، وصناعة الصور الذهنية، وتوسيع دائرة التأثير إلى ما هو أبعد من الحدود الجغرافية. كما تُظهر كيف تسعى هذه الجماعات إلى تحويل أتباعها إلى أدوات دعائية مستمرة الحركة، ترى في كل منشور "جبهة قتال" لا يجوز تركها.
كما تكشف تلك النصوص أيضًا عن سعي التنظيمات المتطرفة الدائم إلى تطوير قدراتها التكنولوجية والوصول بها إلى مستويات عالية من الاحتراف، ليس في الجانب الإعلامي والاستقطابي فحسب، بل كذلك في المجالات القتالية والعسكرية والتمويلية... إذ تدرك هذه الجماعات أن أدوات العصر الرقمية ليست وسيلة للنشر والتعبئة فحسب، بل هي جزء من البنية العملياتية أيضًا، ومن ثم تسعى من خلالها إلى تحسين قدراتها على التخطيط، وتوسيع مواردها، وتنفيذ أهدافها بطرق أكثر تعقيدًا وفاعلية، وهو ما يجب الانتباه له ورصده والتعامل معه بموضوعية دون مبالغة في التهوين أو التهويل.
وفي سياق هذا التطور المتسارع، ازداد اهتمام التنظيمات المتطرفة باستغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها في مختلف أنشطتها. وتشير عدة دراسات وبحوث حديثة إلى أن هذه الجماعات باتت تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة استراتيجية تعزز قدراتها في المجال الإعلامي وفي الجوانب العملياتية الأوسع.
وقد بدأت هذه التنظيمات خطواتها الأولى في هذا المضمار عبر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد محتوى إعلامي أكثر تأثيرًا، من خلال إنتاج صور ومواد صوتية ومرئية عالية الجودة، تتسم بالإتقان وتبدو ذات طابع احترافي. ويتماشى ذلك مع الاستراتيجية الإعلامية التي تتبناها بعض هذه التنظيمات، والتي تهدف إلى إخراج مواد دعائية بمستويات مقاربة للمعايير الدولية من حيث جودة النصوص والخطابات والصور، بغية تعزيز جاذبية رسائلها ورفع قدرتها على الاستقطاب والتأثير.
ولعل ذلك يفسّر المستوى التقني الذي ظهرت به المجلات والمنشورات الصادرة عن هذه التنظيمات، سواء من حيث جودة اللغة أو الإخراج الفني. كما يفسّر كذلك الاحتراف الواضح في المقاطع المرئية التي كانت تبثّها، والتي وصل بعضها إلى درجة من الإتقان دفعت بعض الباحثين إلى وصفها بأنها “مقاطع هوليودية”.
ومع استمرار توسع هذه الجماعات في استغلال الذكاء الاصطناعي بما يخدم أهدافها الإعلامية والعملياتية، تبرز الحاجة إلى قراءة معمّقة لهذه الظاهرة ورصد أبعادها المستقبلية. وسأتناول في المقالات المقبلة أبرز الاستخدامات التي تلجأ إليها التنظيمات المتطرفة في هذا المجال، وكيف توظّف هذه التقنيات في التجنيد، والدعاية، والتمويل، والعمليات الميدانية