رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تكملة للأخلاقيات الراقية التي بدأناها بالمقالة السابقة، سوف نرى كيف وجّه رب العالمين رسوله الكريم الذي هو الأسوة لكل مسلم، وجهه لمعاملة نسائه معاملة تُفضي إلى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين كلهن. 
يقول تعالى: (تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ ۖ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا ‎﴿٥١﴾) الأحزاب.
ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ: قُرّة العين هى السرور الحاصل في النفس لمقابلتها ما يسّرها، مع تحقُّق الرضا التامّ. 
وَلَا يَحْزَنَّ: الحزن هو الألم النفسي الذي ينتج غالباً عن الفقد، قد يكون فقد مادي أو معنوي.
وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ: الرضا حالة نفسية من الراحة والطمأنينه والاستقرار تنتج عن القبول عن وعي وفهم. 
هذه صورة مثالية لأرقى خُلق يمكن أن يتعامل به إنسان مع آخر، أن تسفر معاملته له عن السعادة، والرضا والراحة ويحرص على ألا يُحزنه، هذا ما على النبي الكريم أن يتعامل به مع نسائه، وهذا ما على كل زوج أن يتعامل به مع زوجته، هذه هى أخلاقيات الزواج في ديننا العظيم، و كان الله تعالى عليماً بما في قلوبكم من رغبة في طاعته وتنفيذ أمره، حليماً على ما يصدر من أخطاء فلا يُسارع بالعقوبة وهو القادر على ذلك.

ثم تبقت لنا هذه الآية الكريمة التي كَثُرت تفسيراتها، يقول تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ‎﴿٣٤﴾) النساء
سنستعرض هذه الآية الكريمة من خلال كل ما سبق من أخلاقيات الزواج، (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ..) فالرجال قوامون أي قائمون على تحقيق ما أمر به الله تعالى فيما يخص النساء عامة والزوجات بصفة خاصة، فقوامة الرجال على النساء تعني أنهم قائمون بحسن الإدارة، والرعاية والحماية، والقيام بالمسئوليات التي عليهم القيام بها.
(..بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ..) مبدئياً نؤكد على أن كلام رب العالمين هو (بما فضل الله بعضهم على بعض) وليس كما هو متداول (بما فضل الرجال على النساء) فهذا تحريفٌ لكلام الله تعالى.
تدل الآية الكريمة على أن الله تعالى قد فضل الرجال ببعض الصفات التي تعينهم على القيام بمهامهم، وفضل النساء ببعض الصفات التي تعينهن على القيام بمهامهن، ليكون كلاهما في الفضل سواء.
(.. وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ..) فما فَضَّلَ الله تعالى به الرجال من صفات، فَضَّلَهم من أجل أن يقوموا بمسؤولياتهم الأولى وهى الإنفاق.
(فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) وما فَضَّلَ به النساء من صفات، فضلهن لكى يكن صالحات لما أمرهن به، قانتات يؤدين ما أمرهن الله تعالى به رغبةً في رضوانه، وهن حافظات للغيب، “وحافظ على الشيء ذب عنه وحماه”، فحافظات للغيب أي كل ما غُيبَ عن الآخرين من حياة خاصة، لا يُظهرونه، بما حفظ الله أي بما أمر الله تعالى أن يُحفظ.
(.. وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ..) وهنا مهمة أخرى على الزوج، وهو وجوب أن تكون له خطة لإصلاح زوجته التي يرى منها خروجاً عن المعروف في المعاملات وحسن العشرة، أن يعظها، ومن يعظ لابد أن يكون قدوة فيما يدعو إليه، فإن استنفذ وقته وطاقته في الوعظ ولم يأت بنتيجة، فعليه بهجرها في الفراش عَل هذا يؤثر فيها ويعيدها للمعاملة الحسنة، فإن لم يُجد هذا نفعاً، فعليه أن يضربها أي يمنعها عما تفعل بما يملك من أدوات ويتخذ موقفاً صارماً، فقد جاء الضرب بالقرآن الكريم في عدة آيات بمعنى المنع، يقول تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ‎﴿١١﴾‏) الكهف. فالضرب هنا بمعنى منعنا نفوذ الأصوات إلى مسامعهم،فالضرب يمكن أن يكون بمنع المال، أو المنع من الخروج.. كل حالة ولها ما يناسبها، كذلك الضرب بمعنى التباعد والمفارقة حتى تعود للعشرة بالمعروف، يقول تعالى: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ‎﴿١٣﴾) الحديد. فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ أي فَفُصِل بينهم بسور.
وهكذا جعل الله تعالى على الزوج هذه المهمة الثقيلة، وهي مهمة التدرج مع الزوجة الناشز التي قد تستغرق منه سنوات لكي يصلحها، فينصلح بصلاحها حال الأسرة كلها، بينما لم يكلف الزوجة هذه المهمة، إنما دعاها لاستحضار من يمكنه الإصلاح عندما ترى نشوز الزوج.
وبهذا نرى أنه في ظل الأخلاقيات الراقية الواردة بالقرآن الكريم للعلاقة الزوجية (زواج وطلاق) يستحيل أن يأمر رب العالمين بضرب الزوج زوجته بالصورة التي صُورت لنا، فلا يمكن تفسير الضرب بهذه الصورة التي لا يقبلها أي إنسان طبيعي، فما بالنا لو كانت زوجة تشارك زوجها كل مهام الأسرة، ولها مثله كل الحقوق الإنسانية والاجتماعية والدينية، ولو كان حل الخلاف بالضرب بهذه الصورة، ما كان الله تعالى أمر الأهل بالتدخل للإصلاح حال وجود شقاق بينهما، لكان الحل في قيام الزوج بضرب زوجته وكفى.
بهذا يمكن أن نلخص أخلاقيات الزواج بهذه المقالة بأنها حرص الزوج على معاملة زوجته معاملةً تؤدي إلي سعادتها ورضاها وعدم حزنها، وأن يُحسن القيام بدوره في القوامة والإنفاق، وعند ظهور مشكلة سلوكية عند زوجته يأخذ بيدها لحلها ويصبر عليها ويعظها ويتبع كل الخطوات التي تؤدي لإعادتها لحسن العشرة.
في المقالة القادمة إن شاء الله سنتطرق لتعريف الميثاق الغليظ الذي تأخذه الزوجة، فما هو؟ وما هى بنوده؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء