أصبحت "السوشيال ميديا" بكل منصاتها قوة ضاربة ومؤثرة في مسار الانتخابات البرلمانية التي تجري حالياً، فالشكاوى التي أطلقها مرشحون في دوائر المرحلة الثانية، وصل صوتها بكل ما يحمله من مرارة إلى السلطة التنفيذية.
وربما تكون تلك الشكاوى هي التي جعلت الرئيس يتدخل ويطلب من الهيئة الوطنية للانتخابات أن تتعامل مع الشكاوى والمخالفات في العملية الانتخابية، وكتب "أطلب من الهيئة الوطنية للانتخابات ألا تتردد في اتخاذ القرار الصحيح عند تعذر الوصول إلى إرادة الناخبين الحقيقية سواء بالإلغاء الكامل لهذه المرحلة من الانتخابات أو إلغائها جزئيا في دائرة أو أكثر من دائرة انتخابية على أن تجرى الانتخابات الخاصة بها لاحقا".
وهي التدوينة التي شجعت الكثير من المرشحين الشباب في محافظات المرحلة الثانية لتسجيل المخالفات ونشرها على صفحاتهم "السوشيالية"، وكانت الشكوى المريرة من دور المال السياسي في شراء أصوات الناخبين هي الأوضح والأبرز، وهو ما أعلنه صراحة أكثر من مرشح مستقل أو حزبي، مؤكدين أن شراء الأصوات لن يصنع برلمانا يعبر عن إرادة الشعب، وإنما سيكون الأمر بمثابة تشكيل مجلس من أصحاب المصالح والقدرة المالية، بصرف النظر عن الجدارة أو القيام بالمهام النيابية المطلوبة في اقتراح القوانين أو توفير الخدمات أو التعبير عن إرادة الذين انتخبوهم.
الشكاوى التي انتشرت على "السوشيال ميديا" وأثبتت صحتها تقارير صحافية متنوعة تؤكد أن قوة وسائل التواصل الاجتماعي لا تتوقف على مسألة الدعاية أو عرض برامج المرشحين، بل تتجاوز ذلك إلى التلويح بإلغاء الانتخابات نفسها، لتصبح هذا الوسائل أقرب ما تكون لأداة رقابية، وإن كانت غير منضبطة إلى حد كبير، فالبعض يمكن أن يستخدمها بطريقة صحيحة وسليمة للتعبير عن الوقائع التي تحدث والمخالفات التي يرصدها، فيما يمكن أن يستخدمها آخرون لكسب التعاطف أو لتقديم أنفسهم بصورة تناسب الشباب وهي الشريحة الأكبر، في محاولة للخروج عن الوسائل التقليدية في الدعاية أو الرهان على البسطاء والمحتاجين.
لعبة المال السياسي التي انكشفت عبر قنوات عدة تكاد تعيدنا إلى أزمنة غابرة كانت الانتخابات تدور فيها عبر الرشاوي والخدمات الوقتية أو الوعود التي يطلقها فصيل سياسي للوصول لمقعد البرلمان دون أن تكون لديه خطة حقيقية لخدمة دوائرهم أو للعمل على اقتراح قوانين أو لكشف فساد أو خلافه، وربما تكون قدرة "السوشيال ميديا" على فضح هذا الأمر عبر فيديوهات البث المباشر والتدوينات وحتى تصوير وقائع المخالفات وشراء الأصوات في الشوارع الجانبية، فرصة مهمة لاستخدام هذه الوسيلة كأداة رقابية قادرة على الوصول للملايين.
أكبر دليل على قوة "السوشيال ميديا" ما قام به مرشح بالإبلاغ عن انتشار المال السياسي وشراء الأصوات وتصوير وقائع بهذا الصدد، ولم تمر فترة طويلة حتى أصدرت وزارة الداخلية بيانا أكدت فيه ضبط المخالفات التي صورها المرشح، مما يؤكد أن صوت "السوشيال ميديا" يمكن أن يصل سريعاً إلى كل الجهات التنفيذية، ويمكن أن يلعب دوراً في تغيير المسار لدرجة إلغاء الانتخابات في 19 دائرة في 7 محافظات بالمرحلة الأولى، وفق ما أعلنته الهيئة الوطنية للانتخابات سابقاً، بعد رصد مخالفات.
الرهان الجديد الذي ظهر في الانتخابات الحالية يركز بشكل كبير على الشباب، سواء على شباب المرشحين أو الشباب كقوة يمكن أن تصبح مؤثرة ومرجحة في صندوق الانتخابات، ومن ثم تصبح "السوشيال ميديا" هي الوسيلة الأكثر نجاعة للتعبير عن هذه الفئة في حالة المرشحين ولجذب الفئة نفسها في حالة التصويت، فوسائل التواصل الاجتماعي تكاد تكون الشغل الشاغل للجيل الجديد من الشباب، هي نافذتهم على العالم، وتسليتهم، وربما تصبح أملهم في تحقيق مرادهم.