التحرش بين الواقع والعالم الرقمي وتأثيره على المجتمع
تزامنا مع ما شهدته إحدى المدارس الخاصة من حادث اعتداء على عدد من التلاميذ، فقد ضج الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي بالواقعة مستهجنا ما حدث ومن غياب دور الراقبة، ومن تعرض الأطفال في هذه السن لهذه الاعتداءات.
وتعرض خمسة أطفال، من بينهم ثلاث فتيات، للتحرش داخل مدرسة دولية بمنطقة السلام شرق القاهرة، لم تقتصر الصدمة على الحادث ذاته، بل امتدت لتثير تساؤلات حادة حول معايير الأمان وانهيار منظومة الرقابة في المؤسسات التعليمية الخاصة، التي تتقاضى رسوما باهظة.
في هذا التقرير، نرصد أنواع التحرش المختلفة وتأثيرها العميق على المجتمع.
ثقافة التحرش
تتجاوز ثقافة التحرش فكرة كونها مجرد تصرفات فردية تصدر عن أشخاص بعينهم، فهي باتت انعكاسًا لتراكم طويل من القصور الاجتماعي والقانوني والتربوي، الذي يسمح باستمرار السلوكيات المسيئة ويُطبعها داخل الوعي الجمعي.
ومع تطور التكنولوجيا وتغيّر أنماط الحياة، لم تعد صور التحرّش مقتصرة على الشارع أو المؤسسات التقليدية، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي والمدارس، ليظهر أنماطًا جديدة من الاعتداءات يُمارَس بعضها في صمت، ويتربى عليها الأطفال والمراهقون دون رقيب.
أولاً: الجذور الاجتماعية لثقافة التحرّش
ثقافة التحرش ليست «مجرد أفعال فردية» بل هي نتيجة لتراكم قصور اجتماعي، قانوني، واقتصادي يدعمهم الإفلات من العقاب وتطبيع السلوكيات المُسيئة.
إن مكافحة هذه الثقافة تحتاج منهجية تشمل: تعليم، قانون، مؤسسات تدعم الضحايا، ومشاركة فعلية من المجتمع المدني والرأي العام.
وتعد ثقافة التحرش ظاهرة اجتماعية تنتشر في كثير من المجتمعات، حيث تُصبح سلوكيات التحرّش "لفظياً أو جسدياً أو عبر الإنترنت" أمراً مألوفاً في الحياة اليومية.
هذه الثقافة لا تقتصر على أفعال الافراد فقط، بل تشمل المواقف الاجتماعية ”كصمت الضحية”، القوانين، المؤسسات التي تسمح باستمرار الاعتداءات وعدم مساءلة مرتكبيها.
أشكال التحرش:
التحرّش اللفظي: تعليقات جنسية، إهانات، صيحات ومضايقات في الأماكن العامة.
التحرّش الجسدي: لمسات غير مرغوب فيها، محاولات اغتصاب، أو اعتداءات جنسية.
التحرّش عبر الإنترنت: رسائل او صور غير مرغوب فيها . او محاولات لفرض مكالمات غير مرغوبة . تهديد.
التحرّش المؤسسي: تمييز في مكان العمل، مضايقات جنسية دون إجراء عقابي من المؤسسة.
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو واحدة من كل ثلاث نساء (ثلث النساء) على الصعيد العالمي تعرضن على مدار حياتهن للتحرش او المضايقات الجنسية من قبل شريك او زميل.
ثانيًا: التحرّش الرقمي
مع دخول العالم الرقمي في تفاصيل الحياة اليومية، لم يعد التحرّش مجرد احتكاك مباشر في الشارع أو مكان العمل، بل أصبح سلوكًا يمارس خلف الشاشات بهدوء، حيث يجد المعتدي نفسه قادرًا على التخفي، فيتمادى في إرسال صور وإيحاءات وتهديدات وابتزازات، ويقتحم خصوصية الضحية دون أن يغادر غرفته.
وبات الفضاء الإلكتروني مساحة خصبة لانتشار هذه السلوكيات، خاصة مع استخدام الأطفال والمراهقين للهواتف والمنصات الرقمية، ما جعلهم فريسة سهلة للتحرّش غير المرئي الذي يتسلل إلى حياتهم دون قدرة على التعبير أو المقاومة.
وهذا الشكل من التحرّش لا ينفصل عن الثقافة العامة للمجتمع، فالمعتدي يتحرك بنفس العقلية التي تحرّكه في الواقع، عقلية تستند إلى شعور دائم بالإفلات من العقاب، وإلى قناعة بأن الإساءة أمر يمكن التغاضي عنه أو تبريره، ما يجعل التحرّش الرقمي استمرارًا طبيعيًا للتحرّش في الحياة الواقعية.
ثالثًا: التحرّش بالأطفال في المدارس
الحوادث التي ظهرت مؤخرًا داخل المدارس المصرية لم تكن مجرد وقائع فردية، بل تعبير صريح عن تسرّب ثقافة التحرّش إلى أصغر المراحل العمرية.
فالطفل الذي يشاهد تطبيع السلوكيات المسيئة في الشارع أو في الدراما أو عبر الإنترنت، يبدأ في التعامل مع تلك التصرفات كأنها جزء طبيعي من التفاعل اليومي، ومع غياب آليات واضحة للحماية داخل المدارس، وعدم وجود تدريب حقيقي للعاملين على كيفية اكتشاف الإساءة أو منعها، يصبح المجال مفتوحًا أمام انتشار أفعال لا يدرك الطفل ولا المراهق مدى خطورتها.
وتأثير المحتوى المرئي والدرامي يظهر بوضوح في هذه الحالات؛ فالتعرّض المستمر لمشاهد تحمل إيحاءات أو علاقات غير صحية يجعل بعض الأطفال والمراهقين يحاولون تقليد ما يرونه، دون وعي بالحدود أو بالقيم الأخلاقية التي تضبط السلوك.
وهكذا تنتقل السلوكيات المنحرفة من الشاشة إلى المدرسة، ومن الدراما إلى الواقع، في صورة محاولات تجريب وتقليد قد تتحول لاحقًا إلى أفعال مؤذية.
رابعًا: الإعلام وصناعة
للأعمال الدرامية تأثير بالغ في تشكيل ذائقة الجمهور وسلوكياته؛ فحين يشاهد الفرد مشاهد التحرّش بشكل متكرر، سواء بقصد الدراما أو الإثارة، فإن هذا التكرار يخلق حالة من التطبيع البصري التي تجعل السلوك مقبولًا أو على الأقل غير مستنكر كما يجب.
ومع انتشار الدرامات الأجنبية التي تحمل ثقافات وسلوكيات مختلفة تمامًا عن المجتمع المحلي، تسربت إلى الوعي أنماطٌ جديدة لم يكن لها وجود من قبل، خاصة تلك التي تُظهر علاقات مختلة أو تجاوزات عاطفية وجسدية تُطرح بلا معالجة قيمية.
لكن في المقابل، يمكن للإعلام أن يكون جزءًا من الحل حين يسلط الضوء على القضايا بهدف التصحيح وليس التكرار، ويعرض النماذج السلبية في سياق يحفّز على رفضها لا تقليدها. فالمحتوى الواعي قادر على إعادة تشكيل القيم، وكسر ثقافة الصمت، ودفع المجتمع إلى إعادة النظر في سلوكيات قد يراها معتادة بينما هي في الحقيقة جذر لأزمات أخلاقية وإنسانية خطيرة.
خامسًا: مواجهة الظاهرة
إن مواجهة التحرّش بكل أشكاله تحتاج إلى تكامل حقيقي بين الوعي والقانون، بحيث يصبح المجتمع أكثر إدراكًا لخطورة السلوك، والمؤسسات أكثر قدرة على حماية الأفراد، والمدارس أكثر تجهيزًا لحماية الأطفال، والفضاء الرقمي أكثر تنظيمًا للحد من الاعتداءات.
ولا بد من خطاب إعلامي واعٍ يعيد التوازن للصورة، ويقدم نماذج إيجابية تعيد الانتماء للقيم الحقيقية، وتُذكّر بأن الاحترام والأمان حقان للجميع، وأن التحرّش جريمة وليس تفصيلة عابرة في الحياة.
ظاهرة تتغذى على الصمت
ثقافة التحرّش ظاهرة تتغذى على الصمت، وعلى غياب القوانين الرادعة، وعلى تشوّه المحتوى الذي يُقدّم للجمهور، وعلى ضعف الوعي داخل المؤسسات التعليمية والرقمية.
ومواجهتها تبدأ حين يدرك المجتمع أن التحرّش ليس حادثًا فرديًا، بل أزمة قيمية تُهدد أمان المجتمع ومستقبل الأطفال، وأن التصدي لها يحتاج إلى وعي جماعي يرفض التطبيع ويضع حدودًا واضحة لكل سلوك مسيء، سواء حدث في الشارع أو على الشاشة أو خلف جهاز صغير في يد طفل.