مارك فينود: أوروبا لاعب رئيسي في أي مفاوضات سلام بين موسكو وكييف
أكد مارك فينود، كبير الباحثين في مركز جنيف للدراسات الأمنية، أن القلق الأوروبي المتصاعد تجاه خطة السلام الأمريكية لحل النزاع الروسي-الأوكراني ينبع من حقيقة أن أي اتفاق سلام لن ينعكس على كييف وموسكو فقط، بل سيؤثر بشكل مباشر على مستقبل الأمن الأوروبي ككل، مشدداً على أن وجود أوروبا كطرف أساسي في المفاوضات ليس مجرد مطلب سياسي، بل ضرورة استراتيجية لأنها ستكون المتأثر الأول بأي تسوية تعقد.
شرط وقف العدوان
وأوضح فينود، في تصريحات مع الإعلامية أمل الحناوي، مقدمة برنامج "عن قرب مع أمل الحناوي"، عبر قناة "القاهرة الإخبارية" أن الدول الأوروبية تعلم جيدًا أن أي اتفاق غير محكم قد يفتح الباب أمام سيناريوهات مشابهة لما حدث في السابق، وأن فشل الضمانات، كما جرى في اتفاقات متعددة أبرزها مذكرة بودابست، يجعل القارة أكثر حرصًا على آليات واضحة تمنع أي خروقات مستقبلية، مضيفاً أن الأمن الأوروبي بات مرتبطًا بشكل مباشر بنتائج النزاع، وأن تجاهل دور أوروبا في صياغة الحل سيجعل أي اتفاق غير مكتمل أو غير قابل للتنفيذ طويل الأمد.
وأشار الباحث الأمني، إلى أن المطلوب اليوم ليس مجرد وقف لإطلاق النار أو اتفاق شكلي يعيد الأطراف إلى طاولة المفاوضات، بل اتفاق سلام "عادل ومستدام" قادر على توفير ضمانات تمنع تكرار العدوان الروسي على أوكرانيا أو على أي دولة أخرى في أوروبا، مشدداً على ضرورة أن يتضمن الاتفاق آلية توقف العدوان وتردع أي محاولة مستقبلية لزعزعة استقرار المنطقة.
وقال فينود: الاتفاق يجب أن يمنح روسيا فرصة لوقف القتال وإنهاء التصعيد، لكنه في الوقت ذاته يجب أن يكون صارمًا بما يكفي لمنعها من أي أعمال عدائية لاحقة، مؤكداً أن أوروبا لا تسعى لإقصاء روسيا من المشهد، لكنها تريد إطارًا أمنياً يضمن احترام الحدود والسيادة، ويمنع تكرار السيناريوهات التي عاشتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
ضمانات أمنية صارمة
وفي حديثه عن الضمانات الأمنية، اعتبر فينود، أن القضية ليست في صياغة اتفاق جديد، بل في ضمان تنفيذه بالفعل، مشيرًا إلى أن الاتفاقات السابقة خصوصًا مذكرة بودابست التي منحت أوكرانيا ضمانات مقابل تخليها عن السلاح النووي لم تكن سوى حبر على ورق بعد أن انتهكتها روسيا، موضحاً أن أحد أهم مخاوف أوروبا هو تكرار هذا السيناريو، ما يجعلها تطالب بضمانات أمنية واضحة ومُلزمة وذات إطار قانوني وتنفيذي يضمن عدم خرقها مستقبلًا، وأن أوروبا تريد اتفاقا واقعيًا، يمتلك أدوات ردع واضحة أكثر من كونه مجرد وثيقة سياسية أو تعهدات دبلوماسية.
أمن أوروبا الجماعي على المحك
وأضاف الباحث الأمني، أن الاتحاد الأوروبي ينظر إلى النزاع الروسي-الأوكراني ليس فقط كحرب على حدود أوكرانيا، بل كتهديد مباشر للأمن الجماعي الأوروبي، ولذلك أصبح من الضروري أن ينعكس هذا المفهوم داخل نص أي اتفاق سلام.
وأكد فينود، أن أوروبا مستعدة للنظر إلى مصالح روسيا داخل الاتفاق ما دام ذلك يتم تحت سقف واضح من الضمانات الأمنية الصارمة، متابعًا: "نعم، المصلحة الروسية ستكون موجودة، لكن عبر ضمانات أمنية جدية لا تسمح بتجاوزات جديدة".
وشدد مارك ، على أن مستقبل القارة الأوروبية سيعتمد على مدى قوة الاتفاق المزمع توقيعه، لأن أي اتفاق ضعيف سيعني نهاية الاستقرار الأوروبي لعقود مقبلة، موضحاً أن الأولوية الآن تتمثل في بناء وثيقة صلبة تمنع روسيا من خرق الاتفاق أو شن هجمات على أوكرانيا أو أي دولة أخرى، مع تأكيد التزام المجتمع الدولي بمراقبة تنفيذ البنود.
أوروبا تسعى لاتفاق يمنع الحرب لا لتكرارها
اختتم مارك فينود، كلامة بالتأكيد على أن أوروبا لن تدعم أي اتفاق سلام لا يضمن حماية حدودها وأمنها، مشيرًا إلى أن القارة تعي تمامًا أن ضعف الاتفاقات السابقة ساهم في اندلاع النزاع الحالي، مشدداً على أن الاتفاق الجديد يجب أن يكون مختلفًا، ويجب أن يحقق توازنًا بين حماية أوكرانيا وعدم تهميش روسيا، مع تأكيد أن الأمن الأوروبي هو محور أي تسوية مقبلة، وأن نجاح السلام لا يقاس بتوقيع اتفاق، بل بمدى قدرته على الصمود أمام الاختبارات المستقبلية، وهو ما يجب أن يكون محور المفاوضات الجارية بين جميع الأطراف.