رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هناك صنف من البشر لا يدخل حياتك دخولًا طبيعيًا، بل يتسلل كنسمة ملوثة عبر شقّ صغير في جدار الثقة، لا مقدمات، لا ملامح واضحة، مجرد ظلّ باهت يبحث عن مكان يتثبّت فيه، وكتلة هواء عديمة الوزن تتصور أنها قادرة على التحول إلى مادة صلبة بمجرد اقترابها من وهجك.


هذه الكائنات تبدأ دائمًا بالحضور الخفيف، بالكلام المنمّق، بالإحساس المصنوع بأن “وجودها حولك “قدَر”،  ثم شيئًا فشيئًا، ومع أول جرعة دفء تمنحها لها بطيب نيتك، تبدأ في الانتفاخ.. تنتفخ إلى الحد الذي تفقد معه إحساسها بذاتها، فتتوهم أنها أقرب إليك من نفسك، وأن قربها منك ليس صدفة، بل استحقاق… وأنها جزء من صورتك، حتى وإن لم تكن يومًا جزءًا من تكوينك.

 

الفقاعة الهوائية لا تحتاج إلى سبب كي تتضخم؛ يكفي أن تجد مساحة، وهؤلاء يجدون في قربك مساحة أوسع مما تحمله عقولهم الصغيرة، فيتخيلون فورًا أن المساحة ملكية خاصة لهم، وأن الضوء الذي ينعكس عليهم هو ضوءهم الأصلي، وأن قيمتهم الوهمية تستمد مبررها من مجرد وجودهم على مقربة منك. وهنا يبدأ السلوك الغريب: يتحركون بثقة ليست لهم، يتحدثون بلسان أطول من قدرهم، وينظرون إلى أنفسهم كما لو كانوا جزءًا أصيلًا من مشهد أنت وحدك صانعه.

 

المفارقة المؤلمة أنك عادةً لا ترى عطبهم من البداية، ارتفاع صوت المحبة المصطنعة يغطي على همسات النقص التي تحركهم ، تراهم يتصرفون كأنهم حراس لبابك، كأنهم جنود يحمون موقعك، بينما هم في الحقيقة يبحثون في كل لحظة عن الموضع الذي يمكنهم أن يغرسوا فيه أظافرهم الصغيرة لتثبيت وجودهم الهش.


لا يريدون لك الخير بقدر ما يريدون لأنفسهم استقرارًا وهميًا، يريدون ألا تسقط، ليس حبًا فيك، بل لأن سقوطك يعني سقوطهم هم أولًا. لا يتحملون فكرة الابتعاد، لكنهم لا يحتملون كذلك فكرة أنك أكبر منهم بما لا يقاس.

 

ومع الوقت، يتحوّل التابع الوادع إلى خصم خفي، خصم لا يجرؤ أن يظهر عداءه، لكنه لا يتردد لحظة في إخفاء نواياه خلف طبقات من المجاملة، والاستعطاف، والتظاهر بالدعم، يصبح مشغولًا بك أكثر مما هو مشغول بنفسه، لا بوصفك صديقًا أو قائدًا أو صاحب فضل، بل بوصفك “مصدر رزق نفسي”.

 

 أنت بالنسبة له باب عبور، جسر عبور، حتى لو لم يفهم معنى الطريق أو الغاية،  المهم أنه يعبر، وأن يبقى في الصورة، وأن يظل عالقًا في الإطار، لأن خروجه منه يعني انكشاف الحقيقة التي يهرب منها دائمًا:
أنه بلا وزن… بلا جذور… بلا قيمة.

 

وهنا تبدأ اللحظة الأخطر: لحظة أن يشعر هذا الكائن الهوائي أن قربه الطويل منحَه حقًا في التوجيه. يبدأ في التعامل معك من موقع المالك، لا الضيف، يتحدث معك بأوامر مبطنة، يقدم لك نصائح ليست من حكمته بل من غروره، يتدخل في دوائرك، في اختياراتك، في تفاصيلك، كأنه مشارك في صنعك لا مستقبل لظلالك.


يبدأ في الظن بأن العلاقة انقلبت: أنت الذي تحتاج إليه، لا العكس، وأن هذا “القرب” الذي عاش عليه طويلاً صار دليلًا على أنه مكافئ لك، أو ندّ لك، أو أن له الحق في أن يعترض ويقرر ويعيد توجيه البوصلة التي وضعها هو في جيبه بلا أي حق.

 

الفقاعة حين تصل لهذه المرحلة، تصبح خطرة لا لقوتها - فهي بلا قوة أصلًا- بل لغفلتها، الغفلة التي تجعلها تعتقد أن الهواء الذي يملؤها قادر على الصمود أمام أول وخزة إبرة، ولأنها لا تدرك هشاشتها، تتمادى،  تتصرف كأنك مدين لها، كأن صعودها كان فضلًا منها لا منك، كأنك بحاجة إلى وجودها لكي تكتمل صورتك.


وفي الحقيقة، أنت طوال الوقت كنت تمنحها أكبر هدية يمكن أن ينالها كائن هش: الستر.
ستر محدوديته.
ستر فراغه.
ستر ضآلته.

 

ثم تأتي اللحظة التي يظنون فيها أنهم تجاوزوك، لحظة يقررون فيها أن ما منحته لهم ليس كافيًا، وأنهم الآن قادرون على أخذ ما لا يُعطى، وانتزاع ما ليس لهم. تلك اللحظة التي يختلط فيها الغرور بالسذاجة، فيتحول الكائن الضئيل إلى “مشروع طاغية صغير”، ويبدأ في محاولة التحكم بك وكأنك صنيعته لا صانعه.


ومع هذه اللحظة بالتحديد… تبدأ نهايته.

الفقاعة لا تنفجر بضربة قوية؛ تنفجر عادةً حين تبتعد عنها يدك التي كانت تحفظ تماسكها، مجرد أن تقرر التوقف عن النفخ… ينهار كل هذا الصخب.


تسقط، تتلاشى، تعود إلى حقيقتها الأولى: لا شيء.


وتكتشف أنت، كما يكتشفون هم- ولو متأخرين- أن علاقتهم بك لم تكن علاقة شراكة، بل علاقة “تعليق مؤقت”، كانوا معلقين بك، وعندما انقطعت يدك، سقطوا، وتبددت ضوضاؤهم، وانكشف الفراغ الذي ظلوا يخفونه خلف صخب الزيف.

 

وفي النهاية، حين تبتعد أنت خطوة واحدة فقط، يظهر كل شيء كما هو:
أنت ثابت، ممتد، راسخ، لا تحتاج لأحدٍ كي يستقيم طريقك.
وهم… يعودون إلى مكانهم الطبيعي:
هواء زائد، عابر، بلا أثر، كان يطفو فوق سطح حياتك، فلما أغلقت النافذة سقط وانتهى.

 

هذا هو مصير الفقاعات الهوائية.
مصير محتوم لا ينجو منه أحد.
مجرد ومضة لامعة بلا جوهر، تنطفئ فور أن ينقطع عنها الضوء.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء