ما زلنا رغم ضجيج العصر نتعلّق بخيطٍ رفيع من الحنين، كأنّ قلوبنا تتساءل في خفوت: هل قربتنا التقنيات حقًّا أم فرّقتنا ونحن نبتسم؟ لقد حمل هذا الزمن إلينا شاشات أصغر من راحة اليد، لكنها أوسع من الدنيا حين نترقب فيها وجهًا نحبه أو رسالة طال انتظارها.
صارت المسافات قابلة للطيّ، كما تُطوى الورقة في جيبك، وصار اللقاء يحدث في لحظة، ويحمل معه دفئًا يشبه عناقًا مؤجلًا، كم جميل أن نستدعي الأحبة من آخر الأرض، أن نضحك معهم من خلف الزجاج، أن نطمئن على من غاب دون أن نطرق بابًا أو نسافر طريقًا.
لكن الجسور ليست دائمًا للعبور؛ أحيانًا تُصبح حدودًا دقيقة لا نكاد نحسّ بها، لكنها تفصل بين قلبين وجهاً لوجه، كم من مرة جلسنا إلى جوار من نحبّ، بينما عيوننا معلقة على شاشة صغيرة تنبض بإشعارات لا تنتهي؟
صارت الكلمات تُقال بسهولة، لكنها لا تعيش طويلًا، لأنّ جذورها لا تمتد في تربة اللقاء ولا تسقى بملح التجربة، إنّ العلاقة التي تبنى على محادثة، قد يسقطها انشغال بسيط، والودّ الذي يبنى على مشاركة قد يخبو بضغطة زر.
وإذا كان الإنسان سابقًا يخرج إلى العالم ليبحث عن المختلف، ليكتشف وجهات نظر جديدة، فإنّ التقنية اليوم تصنع لكلّ واحد منا عالمًا يشبهه تمامًا، فتقدّم له ما يحبّ، وتخفي عنه ما يخيفه أو يناقضه، وهكذا، تنكمش الدائرة حوله رويدًا رويدًا، حتى يصبح أسيرًا لفقاعته.
وما يزيد الحكاية ألمًا هو ما يحدث في بيوتنا، حيث تجلس الأسرة في المكان ذاته، لكن الأرواح تذهب كل واحدة في مسار آخر، يصبح الصمت لغة مشتركة، ويصبح الوجود مجرّد ظلّ بلا حضور.
ومع ذلك، لا يمكننا أن نمسك التقنية من يدها ونلقي بها خارج حياتنا، فهي ليست العدو، بل المرآة التي تعكس طبيعتنا، إن أردنا لها أن تكون جسرًا، فستكون، وإن تركناها تتحكم في خطواتنا، فستجرّنا نحو العزلة ونحن نحسب أننا نتقدم، ونحن من نقرّر إن كانت ستقرّبنا أم ستبعدنا، إن كانت ستعلّمنا فنّ الوصال أم ستلقي بنا في دروب التفاصل.
وبالطبع لم يكن المجتمع المصري بمنأى عن هذا السيل الرقمي الجارف، فقد دخلت إليه مواقع التواصل، وغمرت البيوت والشوارع والمقاهي، حتى صار الهاتف امتدادًا لليد، والشاشة امتدادًا للنَفَس.
ولعلّ ما يميّز المصريين أنّهم شعب سريع الالتقاط، يفتح قلبه لكل جديد، ولذلك تحوّلت هذه المنصّات من مجرد وسيلة ترفيه إلى ساحة يومية تُصنع فيها النكات، وتُشعل فيها القضايا، وتكبر بها الأصوات الصغيرة حتى تغدو رأيًا عامًا.
ومع هذا الازدهار الرقمي، ظهر الهوس بالمتابعة، بالظهور، بالتفاعل، حتى بات بعضهم يقيس قيمته بعدد الإعجابات لا بما يحمله في داخله، فترى الشاب يركض وراء “التريند”، والفتاة تصنع لحياتها صورة مصقولة لا تشبه حقيقتها.
ومن بين الظلال الداكنة التي أفرزها العالم الرقمي، يطل مشهد موجع لا يمكن تجاهله، مشهدُ أولئك الذين حوّلوا آلامهم إلى عروضٍ، وجراحهم إلى محتوى، وسرائرهم إلى بضاعة تُباع في أسواق المشاهدات.
لم تعد الخصوصية حرزًا يُصان، ولا الكرامة سورًا لا يُتجاوز؛ بل صار البعض يفتح أبواب حياته الداخلية على الملأ، يروي أسراره، ينشر خلافاته، ويعرض أدقّ تفاصيل بيته وهو يظنّ أنه يحصد التعاطف، بينما هو في الحقيقة يقدّم نفسه قربانًا لمنصّات لا تشبع.
والأقسى من ذلك حين تُنتهك الأعراض في بثّ مباشر، أو تُلقى الاتهامات جزافًا، أو تتحوّل المآسي العائلية إلى حلقاتٍ مسلية يستهلكها الجمهور، وكأنّ الوجع مسرح، والبشر شخصيات في مسلسل لا ينتهي.
إن هذا السلوك لا يجرح أصحابه وحدهم، بل يطعن قيم المجتمع كله، يربّي أجيالًا ترى الشهرة أهمّ من السمعة، والربح أغلى من الحقيقة، والانتشار أرفع من الستر، ومن ثم يصير الألم تجارة، والفضيحة سلعة، والحياة الإنسانية مجرد مادة خام لصناعة "التريند" العابر الذي يذهب كما يأتي، تاركًا خلفه أرواحًا مكسورة وبيوتًا فقدت حرمتها الأولى.
وإن كان المشهد الرقمي قد حمل معه ما حمل من الفوضى والهوس، فإنّ المجتمع المصري، بما فيه من حكمة متراكمة ووعيٍ متأصّل، قادر على تهذيب هذا الطوفان، فالمسألة ليست حربًا مع التقنية، بل مصالحة معها على قواعد جديدة، قواعد تصون الروح قبل الشاشة.
يستطيع المصري أن يبدأ من بيته، من لحظة يجمع فيها أسرته حول حديث صادق بلا هواتف تتلصص، ومن قرار صغير بأن يكون حضوره مع من يحب أعمق من حضوره على حسابه.
ويمكن للمدرسة والمسجد والجامعة والإعلام أن يزرعوا في النفوس معنى الخصوصية وحرمة البيوت وقيمة الكلمة، وأن يُعلّموا الأجيال ألا يُقاس الإنسان بما ينشره، بل بما يخفيه من خير وحياء.
ولا يقلّ عن ذلك أهمية أن يراجع الفرد نفسه، أن يسأل قبل أن يشارك، أهو محتوى يرفع من قدره أم يسرق منه شيئًا من كرامته؟ أهو نور أم ظلّ؟ فإذا اجتمع وعي الأفراد مع نبل المجتمع، ستتحوّل هذه المنصّات من ساحة تشويش إلى مساحة تواصل راقٍ، ومن فوضى إلى أداة حضارية تُعبّر عن مصر كما هي، بلد يعرف كيف يلتقط الجديد، لكنه لا يسمح له أن ينتزع منه أصالة القلب ولا قيمة الستر ولا هيبة البيت.
ختامًا، يبقى العالم الرقمي بابًا مفتوحًا على احتمالات متباينة، يمكنه أن يقرّبنا بقدر ما يمكنه أن يبعثرنا، وما بين التواصل والتفاصل، يظلّ الإنسان هو صاحب القرار، فله أن يجعل من التقنية جسرًا للحب والمعرفة، أو يتركها تتحوّل إلى مرآة تكشف ضعفنا وهوسنا.
وإذا استطاع المجتمع المصري أن يمسك بزمام وعيه، وأن يوازن بين ما يراه على الشاشات وما يحمله في قلبه من قيم، عندها فقط سيغدو هذا العصر امتدادًا لجمال إنساني لا تنطفئ جذوته مهما تغيرت الأدوات.
والله من وراء القصد،،،
عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،