أستاذ جامعي: التضييق على التعليم المفتوح يدفع الطلاب نحو الجامعات الخاصة
قال الدكتور وائل كامل عضو هيئة التدريس فى جامعة حلوان، إن نظام التعليم المفتوح في مصر شهد الكثير من الجدل خلال السنوات الماضية، ورغم ما كان يشوبه من سلبيات، فإنه ظل يمثل منفذًا مهمًا لكل من يريد دراسة تخصص مختلف عن المسار الذي فرضته عليه درجات الثانوية العامة ومكتب التنسيق.
وأضاف: “كان هذا النظام بشكله الأكاديمي القديم، يتيح للناس فرصة إعادة تشكيل مستقبلهم المهني مثلما هو معمول به في دول كثيرة تسمح بتعليم الكبار دون قيود على العمر أو الخلفية الدراسية، اعتمادًا فقط على القدرة والاستعداد للتعلم”.
تضييق المسارات التعليمية ودفع الطلاب للجامعات الخاصة
وأشار "كامل" فى تصريحات خاصة لـ"إيجبتك"، إلى أنه بدلًا من معالجة القصور الحقيقي في هذا النظام، جرى اللجوء إلى الحل الأسهل وهو إضعافه تدريجيًا ثم تحويله إلى شهادة مهنية قليلة القيمة وغير مطلوبة بسوق العمل ولايستطيع صاحبها أن يستكمل دراساته العليا، وهو قرار لم يستند إلى احتياجات المجتمع أو متطلبات سوق العمل بقدر ما جاء في إطار توجه عام يُضيّق مساحة التعليم الموازي منخفض التكلفة، ويدفع الراغبين في استكمال دراستهم إلى الجامعات الأهلية والخاصة.
وقد أكد الحكم القضائي الأخير، الذي رفض طعن وزارة التعليم العالي وألزمها بالعودة لمنح البكالوريوس الأكاديمي، أن قرارات المجلس الأعلى للجامعات لا يجوز أن تتعارض مع اللائحة التنفيذية للقانون، وأن كل ما حدث لم يكن سوى اعتداء إداري على تنظيم قانوني واضح ولائحة تحدد الشهادة بأنها أكاديمية.
صراع "الربحية" و"الخدمة الأكاديمية"
وكشف عضو هيئة تدريس جامعة حلوان، أن النظرة الضيقة للتعليم المفتوح ليست منفصلة عن سياسات التعليم خلال السنوات الماضية، ومنها تقليص موازنات الجامعات الحكومية ودفعها إلى الاعتماد على مواردها الذاتية وتحقيق الاستقلال المالي، الأمر الذي وضعها تحت ضغوط مالية كبيرة وجعل بعضها غير قادر حتى على تغطية احتياجاته الأساسية.
وهروب الكفاءات منها للعمل برواتب مضاعفة بالتعليم الأهلي والخاص وفي الوقت نفسه، شهدت الساحة توسعًا ملفتًا في إنشاء الجامعات الأهلية والخاصة خلال فترة قصيرة بشكل مبالغ فيه ولم تكن مصر بحاجة إليه، بما يعكس انتقال الدور التقليدي للدولة من مقدم مباشر للخدمة التعليمية إلى مجرد مراقب والبدء بالتحلل التدريجي من مجانية التعليم، بينما يُترك المجال الأكبر لمؤسسات تقوم على الربحية أكثر مما تقوم على الرسالة الأكاديمية.
إصلاح العوار أفضل من هدم المسارات المتاحة
وأوضح الى انه عندما تم إضعاف التعليم المفتوح ثم غلق أبوابه تدريجيًا، لم يكن الهدف إصلاحه بل تفريغه لصالح مسارات أخرى أعلى تكلفة. فقد كان من الأولى تطوير اللوائح، وضبط الإدارة، وتقديم خدمة تعليمية حقيقية تعادل التعليم النظامي، بدلًا من تحويله إلى تجربة سيئة ارتبطت في أذهان الناس بالربح لا بالتطوير وبالحصول على شهادات بدون دراسة وبغياب متكرر. ومهما قيل عن مشكلات التعليم المفتوح، فإن إلغاء قيمته الأكاديمية كان بمثابة خطوة تعكس تفضيل منطق السوق على منطق الخدمة العامة، خاصة في ظل غياب سياسات واضحة لربط التعليم باحتياجات المجتمع.
وأنهى "كامل" تصريحاته الخاصة، قائلا إن الحكم القضائي الأخير يعيد الأمور إلى نصابها القانوني، لكنه لا يكشف فقط عن خطأ إداري، بل عن خلل أعمق في طريقة التخطيط داخل الوزارة، فبدون رؤية شاملة تعتمد على توسعة فرص التعليم لا تقليصها، ودعم الجامعات الحكومية لا محاصرتها، وتوفير موازنات مالية تكفيها لا اضطرارها لفرض رسوم بلا أى معنى بتعويض النقص في الموازنات .... إلخ"، مضيفا: “سيظل التعليم في مصر أقرب إلى سلعة منه إلى خدمة. والمجتمع يحتاج اليوم إلى استعادة الفكرة الأساسية التي قامت عليها الدولة الحديثة. التعليم حق عام لكل دافعي الضرائب، وأن على الدولة التزامًا بتوفير مسارات متعددة ومرنة لمن يرغب في إعادة بناء مستقبله أو اكتساب مهارات جديدة، وأن إصلاح العوار دائمًا أفضل من هدم المسارات المتاحة”.



