رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

استكمالاً لتحليلنا الورقة البحثية التي أرسلتُها للنشر بعنوان “The Walls Remember Their Faces: Sonic Memory, Affective Resistance, and Revolutionary Temporality in Egypt's Tahrir Square”، والتي حفرتُ فيها طبقات الزمن العاطفي الذي صنعته أصوات الثورة، ننتقل فى المقال الخامس من هذه السلسلة في رحلتنا إلى جذور تلك الظاهرة في أقدم الحضارات. 

 

فإذا كان ميدان التحرير قد شكّل "زمانية ثورية" عبر "بنية تحتية صوتية"، فإن هذا المقال يتساءل: كيف أدرك المصري القديم قوة الصوت في تنظيم الوجدان الجمعي وبناء الزمن الديني والسياسي؟ وكيف يمكن لصرير معول عامل بسيط أن يتحول إلى نغمة موحّدة؟ وإلى أي مدى تُعدّ تلك الألحان أولى تجليات "الحوكمة الوجدانية" في التاريخ؟.


في مصر الفرعونية، لم يكن الصوت مجرد ذبذبات في الهواء، بل قوة كونية تتدفق في شرايين الوجود.

 

 كان المصري القديم ينظر إليه بوصفه طاقة تصوغ العلاقات بين البشر، وتربط الأرض بالسماء، وتخلق زمناً يمكن للمجتمع أن يعيش فيه وينظم إيقاع حياته. 

 

فالصوت، في أعمق معانيه، لم يكن وسيلة للتعبير فقط، بل وسيلة للحكم، ولحماية النظام، ولإدارة العاطفة الجمعية في لحظات القداسة والعمل والفقدان.


لقد تجلى هذا الوعي بوضوح في مواقع البناء، حيث لم تكن الجدران والحجارة تُرفع بالقوة وحدها، بل بالإيقاع أيضاً. 

 

تحت الشمس، وبين الأيدي التي ترفع الحجارة الثقيلة، كان العمال يرددون الأناشيد ويضربون المعاول في انسجام يشبه العزف. 

 

كان الغناء هنا بمثابة تكنولوجيا نفسية تُحوّل الجهد الفردي إلى طقس جماعي، وتذيب الذات في الجماعة، وتحوّل آلاف الأجساد المتعبة إلى جسد واحد يتحرك بنغمة واحدة. صار الصوت أداة إنتاج بقدر ما هو أداة انتماء، وبفضله تحوّل الشقاء إلى شعور بالهدف، وتحوّل العمل إلى زمن منظم قادر على صنع المعجزات.


وفي قلب المعابد، ارتقى الصوت إلى مستوى أكثر عمقاً ورمزية. ففي قدس الأقداس، كانت الترانيم الموجهة لآمون ورع وحورس تتدفق كالنيل، وتعيد عبر كل نغمة خلق توازن الكون. لم تكن الكلمات صلوات فحسب، بل كانت هندسة دقيقة للوعي الجمعي، يُجريها الكاهن بوصفه المهندس الأول للعاطفة الجماعية.

 

 كان يتحكم في النبرة، والمقام، والإيقاع، ليعيد عبرها تأكيد النظام والسيادة، ويمد خيوطاً تربط المجتمع بالأبدية. كانت هذه حوكمة وجدانية من الأعلى، تهدف إلى تثبيت النظام، وإلى إسناد السلطة بالدين، وإلى جعل الزمن امتداداً واحداً لا ينقطع بين الماضي الأبدي والحاضر المتجدد.


لكن الصوت لم يكن حكراً على القداسة ولا على البناء؛ فقد لعب دوراً مؤثراً في لحظات الفقدان أيضاً. فطقوس النواح لم تكن بكاءً فوضوياً، بل ممارسة اجتماعية منظمة لإدارة الألم. المناحات المحترفات كنّ يصنعن عبر أصواتهن مساحة آمنة تحوّل الحزن الفردي إلى تجربة جمعية. كان البكاء يرتفع بنبرة محسوبة، فيتحول الألم من قوة قابلة لتمزيق الفرد إلى قوة تربط الجماعة ببعضها، وتساعدها على استيعاب الصدمة والمضي قدماً. كان الصوت هنا علاجاً واحتواءً، ووسيلة لحماية النسيج الاجتماعي من الانهيار.


وحين ننتقل من هذه المشاهد الفرعونية إلى ميدان التحرير، يتضح لنا أن المسافة الزمنية الهائلة لم تُلغِ جوهر التجربة. ففي التحرير أيضاً صنع الصوت زمناً جديداً، لكنه زمن ثوري، يختلف عن الزمن المقدس الذي أنتجته المعابد، ويختلف عن الزمن الإنتاجي الذي خلقته مواقع البناء. كانت الهتافات تنبض من الأسفل، من الناس أنفسهم، لتصنع إيقاعاً جديداً في التاريخ، وتحوّل الساحة إلى فضاء يعيد تشكيل العاطفة الجماعية ويفتح المستقبل على احتمالات جديدة. 

 

وإذا كانت ترانيم الكهنة تهدف إلى الخلود عبر الثبات، فإن هتافات التحرير تهدف إلى الخلود عبر التغيير. وإذا كانت أصوات العمل تنظم الحجارة، فإن أصوات الثورة تنظم الحلم.


وهكذا، من معولٍ يشقّ الصخر في الجيزة، إلى تراتيل الكهنة في معابد الأقصر والكرنك، إلى هتافٍ يرتفع في سماء التحرير، يظل الصوت هو النهر الخفي الذي يعبر الوجدان المصري عبر العصور. 

 

إنه الأداة التي بُني بها المجتمع، وحُمي بها النظام، وشُفي بها الألم، وصيغ بها الأمل. هو الخيط الرفيع الذي يربط المصريين ببعضهم البعض، ويمنح هذه الأرض قدرتها العجيبة على البقاء والتحول، على الثبات والثورة معاً.


إننا، حين نهتف اليوم أو نغني أو ننوح، لا نفعل سوى أن نكرر أصداء نداءٍ قديمٍ لم يمت، بدأ منذ آلاف السنين، ولا يزال يعيد تعريف علاقتنا بذواتنا، وبالزمن، وبالبلاد التي نحيا فوقها، ونحمل في وجداننا صداها الخالد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء