ننشر فصلا من الرواية الأحدث للكاتب محمد سلماوي «زهرة النار»
زهرة النار هي الرواية الأحداث للكاتب والأديب الكبير محمد سلماوي الذي صدرت عن الدار المصرية اللبنانية، وتدور أحداث الرواية، حول قصة حب عاصفة تجمع بين عالية منصور، سيدة المجتمع الناضجة، وخالد السروي، الشاب الطموح في مقتبل حياته، ومن خلال هذه القصة الإنسانية، تسلط الرواية الضوء على الصراع الأزلي بين الفرد والمجتمع، سواء على الصعيد العاطفي أو السياسي، لتكشف عن التناقضات بين الثورة المتقدة في الصدور والقيود الصارمة التي يفرضها المجتمع على أولئك الذين يحلمون بحياة مختلفة.
وفيما يلي ننشر فصل من تلك الرواية:
خرج خالد من "دكان زمان" وقد إنفتحت أمامه أبواب عالم جديد كان يسمع عنه لكنه لم يدخله من قبل. شعر أنه كان يعيش نصف حياة. فالثقافة بالفعل ليست فقط السياسة والتاريخ والإقتصاد، وإنما أيضا الأدب والفن والفلسفة وعلم النفس، وعلوم الفضاء أيضا، لما لا؟ بل إن المعرفة الحقيقية لا تتأتى إلا بتكامل المعارف جميعا كما قالت له ذات التاج الفضى. لكنه لن يناديها بهذا الإسم. فبماذا يناديها إذن فى المرة القادمة؟ لقد قالت له إسمها فهل يعنى هذا أنها تسمح له بأن يناديها به؟ عالية؟ لم لا فهى عالية بالفعل. لكن ربما كان من الأفضل ألا يقفز إلى تلك الألفة وهو قبل يومين لم يكن يعرفها.
عبر الشارع دون أن يلتفت فكادت سيارة تصدمه. لكن لم يصبه إلا توبيخ السائق الذى أخذ يلوح بيديه ويصرخ فى وجهه بما لم يسمعه. واصل سيره. لكن إلى أين؟ عليه أن يذهب إلى منزله ليضع الكتب التى يحملها. سيذهب مشيا على الأقدام. كان كلما تأججت مشاعره، أو أثقل عليه موقف ما ولم يعد يحتمله خرج يمشى. كان يمشى مسافات طويلة. إن داهمه الفرح مشى. وإن داهمه الحزن مشى. كان المشى يساعده على التخلص من التوتر، ويساعده أيضا على التفكير. قطع مسافة طويلة من وسط البلد إلى منزله خلف ميدان الجيزة وهو يحمل فى يديه الكتب، ويحمل فى وجدانه شحنة الطاقة التى أطلقتها بداخله ذات التاج الفضى.

أخذ يفكر فى كل ما دار بينهما. هل كانت الشحنة التى أطلقتها بداخله ذهنية؟ أم ثقافية؟ أم عاطفية؟ لا يعرف. ربما كانت كل هذا فى آن واحد. كان اللقاء قصيرا لكنه مكثفا. كان مثل الشحنة الكهربائية التى تنطلق فتضيء المكان، أو تنشر فيه الدفء، أو ربما تحرقه. فماذا فعلت به شحنتها؟ لا يعرف. قد كانت تجربة مؤثرة فى جميع الأحوال. تركت رغم قصرها أثرا فى نفسه لم يكن قادرا على تحديده بشكل قاطع.
فى اليوم التالى أحس برغبة شديدة فى أن يمر على "دكان زمان". ألم تقل له أنها ستكون فى انتظاره داخل بلاطها بهدية جديدة؟ لكن هذا لا يعنى أن يذهب إليها فى اليوم التالى مباشرة. سيمنح نفسه بضعة أيام حتى لا تفضح زيارته اللهفة التى لم يستطع مقاومتها، وإنما يبدو للزيارة سببا مقبولا هو الحصول على بقية الكتب بعد أن فرغ من قراءة تلك التى أخذها.
أما بينه وبين نفسه فقد كان يشعر برغبة جارفة فى أن يقترب منها أكثر، فى أن يكون إلى جوارها. فى أن يتواصل حديثهما عن الثقافة والسياسة وغير ذلك. كان جوارها يشعره بالراحة ويشبع بداخلة رغبة غامضة. هل كان ذلك بسبب افتقاره للأم؟ هو لم ير أمه قط. توفيت وهو طفل وعاش طفولته محروما من حنانها. لو عاشت لربما كانت فى مثل عمر ملكته المتوجة. لم يكن يعرف سنها. بدت له ما بين الأربعين والخمسين. يقال أن ذلك هو سن نضوج المرأة واكتمال أنوثتها. لكنها رغم تلك الأنوثة التى لم تخطئها عينه أحيت فيه أيضا الاحتياج للحنان، حنان الأم. نعم هو كذلك. بدا له هذا التفسير منطقيا، أو هو على الأقل تفسير مقبول.
عاد يراجع نفسه. هل ما يجذبه إليها هو بالفعل حنان الأم؟ إستعرض من جديد كل ما دار بينهما منذ بداية لقائهما فساوره بعض الشك. هى لم تظهر له ما يمكن أن يوصف بالحنان. فى المقابلة الأولى صدته بعد أن اقتحم عليها عالمها. كان واضحا أنها تريده أن يخرج من المحل بالماء الذى كان يقطر من ملابسه والطين العالق بحذائه. لكنها فى نهاية اللقاء أشفقت عليه ووعدته بأن تأتى له بالكتب التى سأل عنها. وفى اللقاء الثانى أحضرت له الكتب بالفعل، وعاملته بلطف، وقدمت له القهوة. لقد أظهرت إهتماما واضحا بأحواله. نعم قد كان إهتماما، والإهتمام غير الحنان. ربما كان بالفعل يفتقر للحنان، لكنه لا يفتقر للإهتمام، فوالده يهتم به رغم أنه لم يعد يقيم معه ويقابله على فترات متباعدة، وأصدقاءه يهتمون به ودائما ما يسألون عنه.. ثم هناك نجوى. إن فى العلاقة العاطفية التى تربطهما ما يحتاجه من الحب والحنان والإهتمام. لا، إن عالية منصور تمثل شيئا آخر وجد نفسه عاجزا عن فهم ماهيته.
لم يذهب خالد إلى "دكان زمان". تغلب على رغبته الجامحة فى أن يراها. نجح فى إعمال إرادته، أو هكذا تصور. لكن الواقع أن طيفها سيطر عليه وهو الذى رسم له مسار يومه. ذهب لأول مرة لزيارة مكان توقع أن يكون أكثر ما يشبه "دكان زمان". ذهب إلى متحف محمد محمود خليل بالجيزة والذى كثيرا ما كان يمر عليه لكنه لم يدخله قط. وهناك ذكرته الأعمال الفنية الموجودة فى أدواره الثلاثة بما شاهده لأول مرة فى "دكان زمان".
أمضى وقتا طويلا يتفحص جمال اللوحات ويحاول تبين الفرق بين تلك المرسومة بالألوان الزيتية أو بالباستيل أو بالألوان المائية، ويتأمل روعة الأعمال النحتية المصنوعة من البرونز أو الرخام. بالإضافة للتحف الفنية من أوان ومزهريات من خزف آسيوي أو أوروبى. كانت كلها تشبه تلك التى عند مليكته. سأل عن كتالوج للمتحف يتضمن معلومات عن تلك المعروضات وتاريخ الفنانين الذين أبدعوها حتى يتحدث إليها عنهم حين يلقاها فيطول حديثهما قليلا. لكن لم يكن للمتحف كتالوج. أخذ يدون على تليفونه المحمول أسماء الفنانين الذين أعجبته لوحاتهم: رينوار، جوجان، فان جوخ، ديجا، ديلاكروا، ثم المثال الفرنسى رودان.. ذلك العبقرى الذى استطاع أن يجعل البرونز الصلب يجسد نعومة جسد المرأة وليونته. وميرسييه الذى درس على يديه مثال مصر العظيم محمود مختار فى باريس.
حين عاد للمنزل أمضى ليلته يبحث على الإنترنت عن الفنانين العظام الذين دون أسمائهم على تليفونه، والذين لم يكن قد سمع بأسمائهم قبل اليوم، فاكتشف أنهم ينتمون لمدارس فنية مختلفة: الكلاسيكية والرومانسية والتعبيرية والتأثيرية.. سهر الليل يقرأ بنهم عن حياتهم والأسلوب الفنى الذى يميز كل منهم. كان كلما تكشف أمامه المزيد عن هذا العالم الساحر إزداد رغبة فى لقاءها.
فى الصباح قرر أن يكون هذا اليوم هو يوم لقاءه مع ذات التاج الفضى. سيذهب إليها متسلحا بما اكتسبه من معلومات وفيرة لم تكن لديه حين قابلها فى المرتين السابقتين. لكن قبل أن يتوجه إلى "دكان زمان" قرر أن يتوقف فى طريقه من الجيزة إلى وسط البلد عند كوبرى الجامعة ليشاهد تمثال نهضة مصر. كان قد شاهد فى متحف محمد محمود خليل تمثالا لمحمود مختار فتذكر أنه رغم مروره عشرات المرات عند كوبرى الجامعة لم يتوقف مرة واحدة ليتأمل هذا تمثاله الجرانيتى الضخم الذى ارتبط بتاريخ مصر وبحركتها الوطنية عقب ثورة ١٩١٩ .
حين وصل إلى حيث يوجد التمثال انبهر بجماليّاته الفائقة. أخذ يدور حوله عدة مرات، فاكتشف أن محمود مختار حقق فى النحت الحديث ما حققه المعماريين الجدد الذين كان يتخذهم لنفسه مثالا. لقد تمكن من أن يستلهم جماليات النحت المصرى القديم فى بساطة خطوطه وعظمة بنيانه. وأدرك خالد فى تلك اللحظة أن فنانينا لا يقلوا عظمة عن الفنانين العالميين الذين شاهد أعمالهم فى المتحف. قرر أن زيارته القادمة ستكون لمتحف محمود مختار ولمتحف الفن الحديث حتى يتعرض فى أحاديثه القادمة معها للفن المصرى الذى لا يقل عظمة عن نظيره العالمى.
شعر خالد الآن أنه تمكن من الموضوع الذى سيناقشه مع مليكته، مثل طالب الدكتوراه الذى انتهى من جمع مادته العلمية استعدادا لمناقشة رسالته التى ستمنحه الإجازة الأكاديمية. لكن أهم ما أسعده أنه ضمن بذلك أن يمتد الحديث مع ذات التاج الفضى أطول من المرتان السابقتان حين لم يكن لديه كثيرا يقوله.
فى الطريق إلى "دكان زمان" أخذ يتخيل الحوار الذى سيدور بينهما. سيكون حديثهما اليوم عن الفن التشكيلى الأوروبى. وسيحقق هذه المرة قدرا من الندية لم يكن مؤهلا لها فى المرات السابقة. سيحدثها عن تلك الإسماء العالمية التى تعلمها، وحفظ تاريخ كل منها. سيقول لها رأيه فى أعمالهم التى شاهدها فى المتحف وأعجب بها، وتلك التى لم تعجبه. وسيقول لها رأيه أيضا فى محمود مختار.
وصل إلى شارعها فأسرع من خطواته مطلقا العنان للهفة المكبوتة التى عذبته طوال اليومين الماضيين. حين وصل أخيرا إلى المحل فوجئ به مغلقا. نظر يمينا ويسارا بحثا عنها، أو عمن يمكنه أن يسأله عنها. لم يجد أحدا. نظر فى ساعته. كانت الواحدة بعد الظهر. كيف يكون المحل مغلقا؟ كانت قد أخبرته أنها موجودة يوميا من الساعة الحادية عشرة صباحا. ربما عطلها طاريء وأنها قادمة فى الطريق. انتظر قليلا لكنها لم تأت. مشى بطول الشارع حتى نهايته، مرة، وثانية، وثالثة، لكنه فى كل مرة كان يعود ليجد المحل مغلقا كما هو تغطى واجهته الزجاجية تلك شبكة الحديدية المغلقة من أسفلها بقفل كبير ود لو كان يملك مفتاحه.