فؤاد الظاهري.. موسيقار تلامس أنغامه الروح وتخلدها الذاكرة
تظل موسيقى الموسيقار الكبير فؤاد الظاهري علامة فارقة في تاريخ الإبداع السمعي المصري والعربي، بما تحمله من دفء يلامس الوجدان قبل الأذن، ويأخذ المستمع إلى عالم مفعم بالرومانسية والجمال.
استطاع الظاهري، أحد أبرز رواد الموسيقى التصويرية في السينما المصرية، أن يجعل من كل عمل بصمة فنية خاصة، لا تزال حيّة في ذاكرة الجمهور رغم مرور العقود.
مصرية الجذور وعالمية الإبداع
وتشير الدكتورة رانيا يحيى، مدير أكاديمية الفنون بروما، في كتابها "فؤاد الظاهري.. مصرية الجذور وعالمية الإبداع" إلى أن الظاهري كان يمتلك قدرة استثنائية على تحويل الصورة السينمائية إلى حالة موسيقية تكمل الدراما وتعمقها.
وتستعرض في كتابها تحليلًا دقيقًا لعدد من أهم الأعمال التي شكلت علامات سينمائية وموسيقية بارزة، من بينها فيلم "صراع في الوادي" الذي يعد أحد أبرز محطاته الفنية.
موسيقى "صراع في الوادي"
صدر الفيلم عام 1954 من إخراج يوسف شاهين، وبطولة فاتن حمامة، عمر الشريف، زكي رستم، فريد شوقي، عبد الوارث عسر، وحمدي غيث، ويتناول الفيلم صراعًا اجتماعيًا بين الإقطاعيين والفلاحين، كصورة موحية لجدل "السيد والعبد" في سياقه الاجتماعي والفلسفي.
وتوضح الدكتورة رانيا يحيى في هذا الكتاب أن الظاهري قدم في هذا الفيلم نموذجًا بالغ التميز للموسيقى الداعمة للدراما، فقد بدأ الفيلم بموسيقى آفان تتر تتكئ على عزف منفرد للناي بمقام الراست، وهومقام يرتبط بالريف المصري والمواويل الشعبية، في انسجام كامل مع طبيعة المشاهد الأولى التي تظهر الفلاحين وحقول الوادي.
ومع بداية التتر، يفتتح التيمباني المشهد الإيقاعي بتدرج صوتي صاعد، قبل دخول الأوركسترا والكورال بتيمة تعكس الحزن والصراع الاجتماعي، تحمل طابعًا شبه أوبرالي في المزج بين أصوات الرجال والنساء.
وتبرز في الموسيقى البصمة الشرقية التي حرص الظاهري على دمجها داخل الإطار الأوركسترالي العالمي، عبر حضور القانون والناي والعود، مع استخدام مقامي النهاوند والحجاز، وإيقاع المقسوم المصمودي الصغير الذي يمنح العمل روحًا ريفية صادقة.
وتصف يحيي في كتابها هذا المزج بأنه "توليفة موسيقية تكشف عبقرية الظاهري في التعبير عن البيئة المصرية بروح عالمية"، إذ تتداخل الألحان عبر آلات شرقية وغربية في انسيابية تمنح الفيلم عمقه الإنساني.
إبداع يتجاوز الزمن
من خلال هذه الجزئية، يثبت كتاب "مصرية الجذور وعالمية الإبداع" أن فؤاد الظاهري لم يكن مجرد مؤلف موسيقي، بل صانع عالم صوتي كامل يُثري العمل السينمائي ويمنحه هوية خاصة، وأنه قادر على تجسيد المشاعر بالصوت، حتى أصبح حاضرا في الذاكرة، شاهدة على مدرسة فنية قائمة بذاتها.