لم يكن قرار البيت الأبيض بحظر جماعة الإخوان الإرهابية مجرد خطوة سياسية عابرة، بل هو حدث مفصلي يعيد رسم خريطة التعامل الدولي مع التنظيم الأكثر خطورة في الشرق الأوسط إذ جاء القرار كعلامة فارقة لتنهي سنوات طويلة من محاولات الإخوان للتغلغل داخل المؤسسات الأمريكية، مستغلين مساحات الحرية والنظام الديمقراطي في الولايات المتحدة لبناء شبكة نفوذ مشبوهة، تمول، وتخطط، وتؤثر، وتبحث عن شرعية مفقودة منذ أن أدانت الشعوب العربية مشروعهم التخريبي، و اليوم يمكن القول، و بثقة تامة، إن أبواب البيت الأبيض قد أغلقت في وجوههم تماما، وأن زمن المجاملات انتهى، وأن الواقع الجديد أكثر صرامة من أي وقت مضى.
ما حدث لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تراكمات من السلوك العدائي للجماعة، و محاولاتها العبث في الساحة الأمريكية من خلال مؤسسات غطاء، ومراكز بحث مزيفة، ومنظمات ضغط حاولت تقديم الجماعة في صورة "المعارضة المدنية المعتدلة" بينما يعرف العالم جيدا أنها تنظيم دولي هرمي، يمتد عبر القارات، ويعتمد في نشاطه على التمويل المظلم، والتحالفات الملتبسة، واستغلال قضايا الأقليات لصناعة موطئ قدم داخل المجتمعات الغربية، ولكن الإدارة الأمريكية الجديدة لم تنخدع بذلك، ولم تترك لهم مساحة للمناورة، بل قرأت المشهد بدقة، وأدركت حجم الخطر الكامن خلف خطاب الجماعة الذي يتلون بتغير السياقات.
قرار الحظر جاء بمثابة إعلان رسمي بأن الإخوان باتوا خارج اللعبة الأمريكية، وأن وجودهم على الأراضي الأمريكية أصبح عبئا أمنيا وسياسيا وأخلاقيا إذ يحمل هذا القرار دلالات عميقة، أهمها أن واشنطن باتت ترى الجماعة كما تراها معظم الدول العربية: تنظيما إرهابيا عابرا للحدود، يتحرك وفق أجندات خارجية، ويعتمد على خطاب مزدوج، ويستغل الفوضى لإعادة إنتاج نفسه وهي الجماعة نفسها التي صنعت بيئات حاضنة للتطرف، وغذت العنف في المنطقة، وكانت دائما بوابة لتصاعد أفكار متشددة تنتهي عند العنف المسلح ومن ثم، فإن طردها اليوم من واشنطن ليس مجرد قرار، بل إغلاق لواحدة من أهم منافذها الدولية.
السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه هو: لماذا الآن؟ الإجابة تكمن في أن المجتمع الدولي لم يعد قادرا على تحمل الكلفة الأمنية والسياسية لوجود الجماعة داخل أراضيه، فالتحقيقات الأمريكية والأوروبية خلال السنوات الأخيرة كشفت عن شبكات معقدة من التمويل غير المشروع، وعن ارتباطات تؤكد أن التنظيم يستخدم واجهات قانونية لخدمة أجندات مشبوهة وتحريك خريطة التأثير السياسي في عدة عواصم غربية، و هذا الاستخدام السيئ للمساحات الديمقراطية أعطى للإدارة الأمريكية الدافع لاتخاذ خطوة لم تكن مطروحة قبل سنوات، وهي إنهاء أي وجود رسمي أو شبه رسمي للجماعة على أراضيها.
لكن ما يجب التأكيد عليه أن القرار الأمريكي، رغم أهميته، لم يكن ليأتي لولا التحولات العميقة التي أحدثتها الدول العربية في رؤيتها للتنظيم، وفي مقدمتها مصر، ومنذ ثورة 30 يونيو، قدمت الدولة المصرية نموذجا حاسما لكيفية مواجهة التنظيم، ليس فقط أمنيا بل فكريا وسياسيا وإقليميا و استطاعت مصر أن تكشف للعالم حقيقة المشروع الإخواني، وأن تبني تحالفات عربية ودولية تقطع الطريق على تمدد الفكر المتطرف، وأن تضع أمام المجتمع الدولي ملفا موثقا يفضح بنية التنظيم، وأساليبه، و تمويلاته، وعلاقاته الممتدة، وهو ما شكل أساسا مهما دفع العديد من الدول لإعادة تقييم موقفها ومن هنا، فإن الدور المصري كان عاملا محوريا في تغيير المزاج الدولي تجاه الجماعة، ووضع حد لممارساتها عبر الحدود، وإفشال محاولاتها المستمرة للعودة عبر بوابات خلفية.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن قرار البيت الأبيض يحمل تأثيرات مباشرة على شبكة التنظيم العالمية، خاصة في أوروبا التي كانت تعد الملاذ الأهم لقياداته بعد سقوط مشروعهم في المنطقة العربية و اليوم، ومع انكشاف الغطاء الأمريكي، ستواجه الجماعة حصارا متعدد المستويات: تضييق مالي، ملاحقات قانونية، فقدان شبكة النفوذ التي كانت تروج من خلالها خطابها، وفقدان القدرة على التواصل مع صناع القرار في الغرب والأخطر بالنسبة لها، أن هذا القرار سيشجع دولا أخرى على اتخاذ خطوات مشابهة، ما يعني انهيار ما تبقى من وجودها الخارجي، وتفكك بنية التنظيم الدولي الذي كان يعتمد على هذه العواصم الغربية كمنصات تحرك وتمويل.
لقد حاول الإخوان لسنوات اللعب على تناقضات السياسة الدولية، واستغلال أحداث المنطقة لصناعة دور لأنفسهم، لكن قرار الطرد من البيت الأبيض حسم هذه اللعبة نهائيا و لم تعد واشنطن ساحة مفتوحة لهم، ولم يعد خطابهم يجد من يصغي إليه، ولم تعد تحركاتهم قادرة على إنتاج أي تأثير سياسي هذا هو السقوط الدولي الأكبر للجماعة منذ تأسيسها، وربما بداية النهاية الفعلية لتنظيم ظل لعقود يعتمد على الدعم الخارجي أكثر من اعتماده على أي قاعدة شعبية حقيقية.
إن ما يجري اليوم يرسل رسالة واضحة: العالم لم يعد يحتمل الجماعات العابرة للحدود التي تتستر بالدين لتخدم مشاريع سياسية، ولم يعد مستعدا لإعطاء الفرصة لتنظيم أثبت بالوثائق والوقائع أنه يهدد الأمن والاستقرار وإذا كانت مصر قد بدأت المعركة في 2013، فإن الولايات المتحدة اليوم تلحق بركب الدول التي قررت أن مواجهة الفكر المتطرف مسؤولية مشتركة، وأن حماية المجتمعات من التطرف لا يمكن أن تتحقق إذا تركت الأبواب مفتوحة لتنظيمات قائمة على العنف والمراوغة.
الإخوان خرجوا من البيت الأبيض… خروجا نهائيا، وبلا رجعة، وبلا استثناءات وهذه هي الحقيقة التي سيبنى عليها العالم مرحلة جديدة في مواجهة التنظيمات الإرهابية.