رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تعيش أوروبا اليوم حالة من اليقظة الاستراتيجية تجاه روسيا، وهي حالة لا تنبع من عداء، بل من حسابات موضوعية قائمة على التاريخ والجغرافيا والقوة العسكرية والتوازن الدولي.

 

الخوف الأوروبي ليس شعورا عابرا، بل تراكمات طويلة بدأت منذ الحرب العالمية الثانية، واستمرت مع الحقبة السوفيتية، وامتدت إلى اليوم في ظل التحولات العسكرية والسياسية والاقتصادية الراهنة، حيث كانت تجربة أوروبا مع روسيا تاريخيا مليئة بالتفاعلات الكبرى؛ فقد ساهمت موسكو في إنهاء الحرب العالمية الثانية، لكنها في الوقت نفسه فرضت نفوذا طويل الأمد على دول شرق أوروبا، مثل بولندا والتشيك وسلوفاكيا ودول البلطيق، وهو نفوذ ترك أثرا نفسيا وسياسيا على هذه الدول حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991.

 

هذا التاريخ يجعل الأوروبيين أكثر وعيا وحذرا تجاه أي تحركات روسية بالقرب من حدودهم.

 

في قرائتي للإجابة على السؤال أردت أن أفصلها بداية من الصعيد العسكري، حيث تمتلك روسيا اليوم واحدة من أقوى الترسانات النووية في العالم، تشير تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) عام 2023 إلى أن روسيا تملك نحو 5,977 رأسا نوويا، بما يشكل ثاني أكبر مخزون نووي عالمي بعد الولايات المتحدة.

 

هذا بالإضافة إلى قدرتها على تحديث قواتها التقليدية، فقد شهدت روسيا منذ عام 2008 تطويرا واسعا لصواريخها الباليستية، وتحديث دباباتها وطائراتها، وبناء قواعد عسكرية في القطب الشمالي، هذه القدرات العسكرية ليست موجهة بالضرورة إلى أوروبا، لكنها تترجم إلى عامل قلق للاتحاد الأوروبي، خصوصا لدى دول البلطيق وبولندا وفنلندا، التي أصبحت في قلب الاستعداد الأوروبي لمواجهة أي تهديد محتمل.

 

الجغرافيا تلعب دورا محوريا أيضا في القلق الأوروبي، فحدود أوروبا الشرقية الممتدة مع روسيا تمتد على آلاف الكيلومترات، من بحر البلطيق شمالا إلى البحر الأسود جنوبا، وتشمل دولا صغيرة نسبيا مقارنة بحجم الجيش الروسي، ويأتي ذلك في ظل أحداث مثل الحرب الروسية على أوكرانيا منذ فبراير 2022، التي أظهرت مدى قدرة الصراعات في المنطقة على التأثير المباشر على الأمن الأوروبي، إذ أدت إلى موجة لجوء تجاوزت 7 ملايين أوكراني إلى دول الاتحاد الأوروبي في غضون عام واحد، وفق المفوضية الأوروبية لشؤون اللاجئين.

 

لا يقتصر الأمر على القوة العسكرية، بل تشمل الأدوات غير التقليدية أيضًا، مثل الهجمات السيبرانية والتأثير الإعلامي والتنافس على الطاقة، فقد واجهت أوروبا خلال السنوات الأخيرة هجمات على البنية التحتية الرقمية، بينما يعتمد الاتحاد الأوروبي على الغاز الروسي بنسبة تجاوزت 40% قبل عام 2022، ما جعل أي تقلب في الإمدادات مصدر قلق اقتصادي وسياسي، هذه الأرقام والتحديات توضح أن القلق الأوروبي قائم على حسابات واقعية لا تتعلق بالعداء الشخصي أو الأيديولوجي، بل بالسعي لضمان استقرار القارة.

 

ولكن هناك خطرا آخر يهددهم على  مستوى النظام الدولي،  وهو تحالف روسيا مع الصين أحد أهم عوامل القلق الأوروبية، خصوصا مع صعود نموذج متعدد الأقطاب، أوروبا، التي اعتادت على ضمانات أمنية من الولايات المتحدة عبر حلف الناتو منذ تأسيسه عام 1949، ترى أن مرحلة التوازن الجديد تتطلب يقظة دائمة واستعدادا استراتيجيا لمواجهة أي تحولات في محيطها الإقليمي، ومن ثم، فإن روسيا، بقدراتها العسكرية، وموقعها الجغرافي، وأدواتها غير التقليدية، تصبح عاملا رئيسيا في معادلة الأمن الأوروبي.

 

وبالتالي من خلال القراءة الواقعية أقول أن خوف أوروبا من روسيا هو خوف عقلاني قائم على التاريخ والجغرافيا والقدرة العسكرية والتحولات الدولية، وليس عداء شخصيا أو هجوميا، أوروبا تسعى من خلال هذا الحذر إلى إدارة علاقاتها مع روسيا بحذر ووعي، مع الحفاظ على استقلال القرار الأمني واستقرار القارة، وهو توازن دقيق يعكس فهم الأوروبيين لأهمية روسيا كعامل رئيسي في الأمن الدولي، وضرورة التأقلم مع الواقع المعقد للقرن الحادي والعشرين.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء