رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


تصدرت أحداث انتخابات مجلس النواب قائمة اهتمام المواطنين , خاصة بعد أن نشر الرئيس عبد الفتاح السيسي رسالته بشأن علمه بوجود مخالفات انتخابية وتوجيهه لتصويب الأوضاع , وقيام الهيئة الوطنية للانتخابات بإبطال 19 دائرة انتخابية في المرحلة الأولى .

 

 الحديث عن استخدام المال السياسي في الانتخابات أو تقديم رشاوى انتخابية للناخبين ليس جديدا في مصر ولا في غيرها من الدول وإن كان ذلك يتم بنسب متفاوتة حسب طبيعة كل دولة . 
 

الرشوة الانتخابية ليست مجرد تبادل مال مقابل صوت؛ إنها حالة نفسية وثقافية وسياسية معقدة. في المجتمعات الفقيرة، تتخذ الرشوة طابع النجاة ، فالناخب الذي يعيش تحت وطأة الحاجة ينظر إلى المال الانتخابي ليس كفساد، بل كفرصة مؤقتة لتعويض عجز طويل، فيبيع صوته كما يبيع يومه، وكأن الحرية رفاهية لا يستطيع سداد ثمنها. وفي المجتمعات الريعية، حيث تتشابك السلطة بالثروة، تتحول الرشوة إلى وسيلة للتسلق، إذ يراها البعض طريقا مختصرا للوصول إلى منصب يمنح النفوذ ولا يتطلب برنامجا فكريا. وفي المجتمعات ذات البنى التقليدية، تتغطى الرشوة برداء المعروف أو الخدمة ، فيختلط المال السياسي بالصدقات، وتتوارى إرادة الناخب خلف أعراف قديمة تخلط بين الولاء العائلي والاختيار السياسي. 


منذ عقود حذر الرئيس جمال عبد الناصر من الرشاوى الانتخابية ونوه إلى أنها تتكرس عندما ينتشر الفقر والجهل , فلا يمكن أن تقنع فقيرا بأن مد يده لمال يحصل عليه من مرشح أمر خاطئ , فهو في الأساس لا يجد قوت يومه . كما أن الوعي المفقود مسألة لا تمنح الفقير فرصة للتفكير , ولذلك يتوانى المتعلمون والمثقفون عن الإدلاء بأصواتهم , لأنهم يجدونها غير ذات جدوى , حتى لو زاحموا الذين يمدون أيديهم . 


إن الرشوة الانتخابية، مهما اختلفت أشكالها، جرح غائر في جسد العملية الديمقراطية، لأنها تنبع من بنية اجتماعية وسياسية مشوهة، ومن فلسفة ترى في الصوت الانتخابي سلعة تباع وتشترى، لا قيمة إنسانية تعبر عن إرادة ومصير. حين يصبح البرلمان نتاجا لعمليات من هذا النوع، فإن التشريع يفقد قداسته، ويتحول من تعبير عن العقل الجمعي للأمة إلى انعكاس لمصالح أصحاب النفوذ، وترجمة لرغبات من صعدوا إلى مقاعد السلطة عبر طرق ملتوية.

 
أما القوانين التي يصدرها مثل هذا البرلمان فتعبر فقط عن ممثلي الطبقات المهيمنة الذي يمثلهم هؤلاء النواب من أصحاب الأعمال , ولا يهم مدى كفاءة النائب السياسية أو قدرته على القيام بدوره المحدد في الدستور والقوانين والأعراف .

 

أخطر ما في الرشوة ليس فعلها الظاهر، بل أثرها الخفي في تشكيل العقل السياسي للأمة. فالناخب الذي يعتاد أن حقه يشترى بالمال ولو كان قليلا ، يفقد تدريجيا حسه بالمواطنة، ويصبح صوته في نظره مجرد ورقة لا تستحق التفكير. والمرشح الذي يقتحم البرلمان عبر المال لا يشعر بأنه مدين للأمة، بل لأصحاب المصالح الذين فتحوا له الطريق، فيصبح تفكيره التشريعي محكوما بميزان الربح والخسارة، لا بميزان القيم والمصلحة العامة. ومع الوقت، يتشكل برلمان مشوه، ليس لأنه مزور بالمعنى التقني، بل منقوص الشرعية في روحه، فاقد القدرة على حمل هموم الناس، وممتلئ بمن يرى في المقعد التشريعي سلعة استثمر فيها فيسعى لتعظيم عائدها.


حين تولد القوانين من رحم كهذا، فإنها لا تأتي بلون المجتمع، بل بلون من صنعوها. فالقانون الذي يفترض به أن يكون تعبيرا عن الضمير الجمعي يصبح أداة لإدارة المصالح الخاصة، والتشريع الذي ينبغي أن ينظم حياة الناس يتجه إلى تنظيم مكاسب فئة محددة. ويصبح البرلمان، الذي كان من المفترض أن يكون منبرا لإرادة الشعب، مجرد قاعة صامتة تمر من خلالها القوانين دون أن تختلط بنبض الناس.


هذه القوانين لا تحدث شرخا تشريعيا فحسب، بل تصنع فجوة نفسية بين المواطن والدولة. فحين يدرك الناس أن القوانين التي تحكم حياتهم صادرة عن سلطة لم يختاروها بحرية، ولا تمثلهم في عمقهم، يفقدون الثقة في جدوى المشاركة السياسية. يتحول مفهوم الدولة من :كيان يمثلني , إلى قوة تفرض علي ، ويصبح الامتناع عن المشاركة السياسية موقفا عميقا لا تعالجه الشعارات ولا الحملات الإعلامية.


أما البرلمان الذي يقوم على مثل هذه القاعدة، فإنه لا يستطيع أن يراقب الحكومة، ولا أن يحاسب المسئولين، ولا أن يوقف الفساد . كيف يراقب من صعد بأدوات فاسدة , الفساد ؟ كيف يحاسب من يعيش في شبكة مصالح هو نفسه أحد عقدها؟ لهذا، فإن برلمانا كهذا، مهما بدا ضخما في مبناه، يبقى هشا في معناه، ومهما بدا كامل العدد يبقى ناقص الشرعية.


هكذا تتساقط القيم من أعلى السلم السياسي إلى أدناه، ويتحول القانون إلى ظل باهت لبرلمان لا يرى في المواطن شريكا، بل رقما يمكن التحكم به. وتصبح الإرادة الشعبية مجرد فكرة رومانسية تذكر في الخطب، ولا مكان لها في قاعة التشريع .


إن فساد العملية الانتخابية لا يخرج مجرد برلمان معيب، بل يخلق دورة كاملة من التشوه: تشوه في الإرادة، تشوه في التمثيل، تشوه في القانون، وتشوه في العلاقة بين الدولة ومواطنيها. وحين تتكرر الدورة وتترسخ، يصبح إصلاحها أصعب بكثير من مجرد الدعوة إلى انتخابات جديدة؛ لأنه فساد يطال الوعي، لا العملية الانتخابية وحدها.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء