عبد الفتاح البرهان: لا مكان للدعم السريع في مستقبل السودان
نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، اليوم الأربعاء، مقالًا للفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني، تحدث خلاله عن سبب اندلاع حرب السودان، مؤكدًا أن الدعم السريع ليس لها مكان في مستقبل السودان.
وقال “البرهان”، إنه أدرك منذ وقت طويل أنّ قوات الدعم السريع كانت بمثابة قنبلة موقوتة، فقد نشأت هذه القوات، التي كانت تُعرف سابقاً بالجنجويد، في مطلع الألفية كميليشيا مساندة في دارفور، ثم تحوّلت لاحقاً إلى قوةٍ مستقلة واسعة النفوذ. وبحلول فترة الانتقال السياسي في 2019، كانت قد تطوّرت إلى تشكيلٍ شبه عسكري مستقلّ، شديد التسليح، يتصرف خارج منظومة القيادة الرسمية للدولة. هذا الهيكل—مقترناً بمواردها المالية الخاصة وسجلها الموثق بالانتهاكات—شكّل تهديداً مباشراً لاستقرار السودان ووحدة مؤسساته الوطنية.
سعينا لدمج الدعم السريع في 2022
وأضاف رئيس مجلس السيادة السوداني، أن الحكومة السودانية سعت في ديسمبر 2022 إلى اتّباع مسار يهدف إلى دمج قوات الدعم السريع في الجيش السوداني بصورة مسؤولة، كان هدفنا منع نشوب الصراع، وحفظ التماسك الوطني، وتوحيد جميع التشكيلات المسلحة تحت قيادةٍ قانونية واحدة، لم تكن نيتنا المواجهة بل الإصلاح؛ ولا التصعيد بل التوحيد المنضبط للقوات التي تدافع عن السودان، لكنّ قوات الدعم السريع انقلبت في أبريل 2023 على الجيش الوطني الذي تعهّدت بالانضمام إليه؛ فحرّكت قواتها سراً حول الخرطوم ومدن كبرى أخرى، واستولت على مواقع استراتيجية، وهاجمت منشآت حكومية وعسكرية. لقد غرست تلك الخيانة السودان في أتون حرب.
وتابع: "ما يزيد هذا الوضع إيلاماً هو يقيننا بأنّ قوات الدعم السريع لا تتحرك وحدها، إذ نعتقد نحن وجهات أخرى، بينها إدارة الرئيس ترامب، أنّ هذه الميليشيا تحظى بدعم خارجي كبير في العتاد وغيره، من أطراف تظن خطأً أنّ تمكين مجموعةٍ تتهمها الولايات المتحدة نفسها بارتكاب جرائم إبادة وتطهير عرقي سيخدم مصالحها الضيقة. والسودانيون يرون ذلك بوضوح؛ فهم يدركون كلفة تحويل بلادهم إلى ساحةٍ لتصفية طموحات الآخرين.

تهديد المنطقة والبحر الأحمر
وأوضح “البرهان”، أن الحرب تهدد استقرار البحر الأحمر شرقاً ومنطقة الساحل الهشّة غرباً، كما تشكّل خطراً مباشراً على المصالح الأمريكية، لقد عبّرت قوات الدعم السريع عن عدائها للولايات المتحدة بوضوح لا لبس فيه، ففي وقت مبكر من الحرب، أفادت شبكة (إن بي سي) عن هجوم على ما يبدو نفّذته عناصر مرتبطة بالدعم السريع على موكب دبلوماسي أميركي. ومؤخراً، في سبتمبر 2024، توفي عنصر امن في السفارة الأميركية أثناء احتجازه لدى قوات الدعم السريع، وفقاً لمكتب الشؤون الأفريقية في وزارة الخارجية الأمريكية. هذه ليست أفعال قوةٍ تسعى للسلام أو تحترم المعايير الدولية.
ونوه إلى أن كثير من السودانيين استمعوا باهتمام شديد إلى حديث وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن الحرب خلال قمة مجموعة السبع في كندا قبل أسابيع. كانت تصريحاته مشجّعة لا لأنها خفّفت عنا، بل لأنه قال الحقيقة الصعبة. فقد سمّى الحرب بما هي عليه، وعرّف قوات الدعم السريع، وسلّط الضوء على الأيادي الخارجية التي تغذي العنف. لقد اتسمت كلماته بوضوحٍ افتقده العالم كثيراً حين يتعلق الأمر بالسودان، حيث يجري تناول الأزمة بلغة مبهمة أو تصوّرات مريحة للغير. فغالبية العالم ما زال ينظر إلى الصراع باعتباره مجرد صراع على السلطة بين جنرالين، لا تمرّداً عنيفاً ضد الدولة السودانية وشعبها.
وبالروح ذاتها، كانت تصريحات الرئيس ترامب الإيجابية عقب لقائه بصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية، مشجّعة.
ورحب البرهان بالجهود المخلصة للولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية من أجل تحقيق سلامٍ عادل ومنصف في السودان، والاهتمام والتزام المستمر بإنهاء إراقة الدماء، والاستعداد للعمل الجاد معهما من أجل السلام الذي طالما تاق إليه الشعب السوداني، غير أنّ أي حلّ يضمن سلاماً دائماً في المنطقة يستلزم تفكيك ميليشيا الدعم السريع ومرتزقتها، فلا مكان لهم ولا لحلفائهم في مستقبل السودان الأمني أو السياسي، أما النافذة الوحيدة التي قد تبقى مفتوحة لأفراد الدعم السريع فهي إمكانية دمج بعض عناصر الميليشيا في الجيش الوطني، ولكن وفق معايير مهنية صارمة، ولمن هم غير متورطين في أي جريمة.
وقال إن ينظر السوداني اليوم إلى واشنطن لاتخاذ الخطوة التالية والبناء على صراحة الرئيس الأمريكي والعمل معنا ومع من في المنطقة ممّن يسعون بصدق إلى السلام لإنهاء هذه الحرب، والإجماع بين السودانيين أن السيد ترامب قائد يتحدث مباشرة ويتحرك بحسم، ويعتقد كثيرون أنه يمتلك الإرادة لمواجهة الأطراف الأجنبية التي تطيل أمد معاناتنا.
لا نطلب صدقة
وشدد رئيس مجلس السيادة السوداني، على أن السودان لا يطلب صدقة ولا يطلب من الخارج اختيار طرف دون آخر. بل يطلب من العالم أن يختار بين الاستقرار والعنف؛ بين دولةٍ ذات سيادة تحاول حماية مواطنيها وميليشيا تمارس التطهير العرقي تسعى لتدمير المجتمعات. وعندما تنتهي الحرب—ويجب أن تنتهي—يريد السودان أن يكون شريكاً قوياً للولايات المتحدة؛ أن يساهم في حماية الاستقرار الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، وإعادة بناء المدن والبلدات المدمّرة. وسيكون للشركات الأميركية دور مهم في إعادة الإعمار والاستثمار والتنمية طويلة الأمد.
واستطرد: “نريد أيضاً أن يستعيد السودان دوره كقوة إقليمية إيجابية. فقد اتخذ السودان في عام 2021 خطوة تاريخية بانضمامه إلى (الاتفاقات الإبراهيمية). ونحن نؤمن بأنّ السلام والتعاون هما الطريق الوحيد نحو شرق أوسط وقرن أفريقي مستقرّ، ولا يزال هذا النهج هو ما يوجّه بوصلتنا، ولكن دعوني أكون واضحاً: إنّ السلام الحقيقي في السودان لن يتحقق عبر النصر العسكري وحده. يجب أن يقوم على الديمقراطية وسيادة القانون وحماية حقوق شعبنا، وتظل القوات المسلحة السودانية ملتزمة بالانتقال إلى الحكم المدني عملية قطعتها الحرب لكنها لم تُهمل. فشعبنا يستحق فرصة اختيار قادته وتحديد مستقبله”.
واختتم البرهان مقاله: “يقف السودان اليوم على مفترق طرق: طريقٌ يؤدي إلى الانهيار وفوضى إقليمية، وآخر يقود إلى التعافي وتحقيق الوعد المؤجل للديمقراطية والاستقرار. ولا يمكننا سلوك هذا الطريق وحدنا؛ فنحن بحاجة إلى شركاء يدركون خطورة اللحظة ويملكون الشجاعة لمواجهة الحقائق الصعبة، لقد عانى الشعب السوداني ما يكفي. وعلى العالم أن يقف معه، لا مع من يسعون لتمزيق بلاده. والسودان مستعد للعمل البنّاء مع إدارة الرئيس ترامب ومع كل من يسعى بصدق إلى السلام، فالسلام لا يُبنى على الأوهام، بل على الحقيقة، وفي هذه اللحظة، الحقيقة هي أقوى حليف للسودان”.

