لا خوف يفوق خوف الأم على أبنائها ولا الأب على أبنائه، الخوف على الأطفال الصغار غريزة وفطرة ألقاها الله في قلوب الوالدين هدفها الحفاظ على بقاء النوع، والخوف دائما في ازدياد، كل ما حولنا يجعلنا نخاف أكثر وأكثر، الخوف من الشارع في زيادة، والخوف من المدارس كذلك، الخوف من تعامل الأطفال مع القريب قبل الغريب في زيادة، قلوب الأمهات أصبحت مليئة بالخوف والرعب على أبنائها، فلا مفر من الشارع ولا مفر من المدارس ولا مفر من الدروس ولا من التعامل مع الغريب والقريب، ثم لا مفر من الرعب والهلع في القلوب نتيجة انتشار الكلاب الضالة في شوارعنا وهنا أقصد بالكلاب حقيقة من ناحية ومجازا من ناحية أخرى، ومع انتشار ظاهرة الذئاب البشرية في المدارس ودور العلم يفتكون ببراءة الأطفال ويهتكون عرضهم دون رحمة أو وازع من دين أو ضمير يزداد الخوف والرعب والهلع في قلوب الجميع.
هذا الخوف الذي يسري في العروق صار أشبه بضوء أحمر لا ينطفئ، يرافق كل خطوة يخطوها طفل صغير نحو مدرسته، أو يلهو بها في طريق ضيق بين البيوت، كأننا نعيش زمناً فقدت فيه الأشياء براءتها؛ الشارع لم يعد شارعاً آمناً للأسف الشديد، والمدرسة لم تعد جداراً يحمي المعرفة والعلم والنور؛ بل تحوّلت في أحيان كثيرة إلى ساحة مقلقة يخالط فيها الأمان شيء من الارتياب والخوف والرعب، صرنا نسمع كل يوم وفي وسائل الإعلام صوتا وصورة عن ذئاب بشرية تختبئ خلف أقنعة الابتسامة، تتسلل إلى الأطفال في لحظة غفلة، فتسرق منهم ما لا يعوَّض: الأمان والثقة والبراءة تشرف منهم الشرف والعفة وتهتك أعراضهم.
والمؤلم كل الألم أن بعض تلك الذئاب تأتي في أثواب معلمين أو مشرفين أو من نعتبرهم “أهل ثقة”، فيتحوّل المكان الذي يُفترض أن يكون بيئة للعلم والتهذيب إلى مصيدة تكسر نفس الطفل مدى الحياة، وتترك فيه جرحا لا تندمل بسهولة، وهنا تتضاعف فجيعة الأهل، إذ كيف يحصّنون أبناءهم من عدوّ يختبئ خلف مظهر الصلاح؟ وكيف يزرعون الطمأنينة في قلب طفل تعلم مبكراً أن ليس كل من يبتسم له يريد خيراً؟
إننا بحاجة إلى يقظة مجتمعية لا تهدأ، وإلى قوانين حاسمة لا تلين، وإلى وعي مستمر يبدأ من البيت ولا ينتهي عند أبواب المدرسة، يجب أن يُعلَّم الطفل كيف يحمي نفسه، وكيف يميز بين السلوك السوي وغير السوي، وأن يُربَّى على الجرأة في البوح والكلام بل والصراخ، لا على الخوف والصمت، كما يجب أن تكون الرقابة صارمة، والمتابعة حقيقية، ومحاسبة كل معتدٍ سريعة وشفافة، لأن طفلاً واحداً يضيع يعني أن المجتمع بأكمله خسر جزءاً من مستقبله.
وليس المطلوب أن نزرع الخوف في نفوس الصغار، بل لابد أن نزرع فيهم وعياً يحميهم، وفي قلوب الكبار يقظة تحفظهم، فالأطفال هم أمانة الله في أعناقنا، وسلامتهم فرض لا يقبل تأجيلاً. وإذا كان في الشوارع كلاب تهدد حياة الصغار، ففي المدارس ذئاب تهدد أرواحهم، وبين الواحد والأخرى يقف المجتمع كله أمام امتحان صعب، امتحان الإنسانية قبل أي شيء.
فيا أيتها الحكومة المحترمة بكل من فيها من أب أو أم، ويا وزير التعليم، ويا كل مؤسسات الدولة، ويا رؤساء المجالس المحلية، أغيثوا أطفالنا من كلاب الشوارع وذئاب المدارس، أرحموا خوفنا على أطفالنا، أرحموا قلوب الأمهات وتدخلوا بكل قوة وعدل للسيطرة على الرعب الذي ملأ قلوبنا، ولا تأخذكم بهؤلاء المجرمين رأفة ولا رحمة، ليكونوا عبرة لمن يعتبر، وليشهد عذابهم طائفة من المؤمنين على كل وسائل الإعلام، ليتعظ كل من تسول به نفسه أن يرتكب جرما فاضحا مثل ما يفعل هؤلاء المجرمين.