نوارة نجم: السينما النظيفة قدمت صورة مشوهة للطفل وساهمت في استعجاله للنضج
تدفقت الكلمات على لسان الكاتبة الصحفية والناقدة نوارة نجم، حين سُئلت عن دور السينما في توعية الطفل وحمايته من العنف والانتهاكات، إذ بدأت من أصل الحكاية، من المكان الذي تتقاطع فيه الصورة النمطية للمرأة مع القيم، ومن اللحظة التي يصبح فيها الطفل متلقياً يختزن ما يراه على الشاشة قبل أن يفهمه، فقالت لـ«إيجيبتك» إن السينما لم تكن يوماً سبباً في شرخ المجتمع أو في ترسيخ قيم الطلاق، مؤكدةً أن المسؤولية الأخلاقية للفن أعقد بكثير من أن تُحمَّل على مشهد أو فيلم، وأن ما يُنتجه المجتمع من قيم ينعكس تلقائياً على الشاشة.
التحولات الاجتماعية وتأثيرها على مكانة المرأة في السينما
لا تخفي نوارة نجم دهشتها من أن القيم السينمائية الراهنة، بكل ما يفترض أن تحمله من تطور، باتت أكثر رجعية مما كانت عليه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فتعود بالذاكرة إلى ما قبل ثورة 1952، حين كانت هناك حركة تحررية حقيقية، وكانت المجتمعات الساعية إلى نيل حريتها بحاجة إلى المرأة كما الرجل، وإلى كل فرد في المجتمع، ما استدعى إعطاء النساء حقوقهن الاجتماعية والمدنية كاملة، لأن مشروع التحرر نفسه كان يستحيل دون ذلك، غير إن تبدّل الأولويات بمرور الزمن فتح البابَ أمام اتجاهاتٍ أخرى، من بينها ما عُرف لاحقاً بـ«السينما النظيفة»، تلك السينما التي «نظّفت» الصناعة، كما تسميها نجم، من الأفكار العميقة والقضايا الكبرى، واستبدلتها بجرعة زائدة من الكوميديا، فيما اختفت القبلات واللحظات الرومانسية لإرضاء قيم سائدة في بدايات الألفينيات، تلك القيم التي تفضّل الشكل المحافظ على المضمون.
وتشرح نجم أن السينما مرآة القيم، فإذا كان المجتمع استهلاكياً، كما هو واقع الحال اليوم، ستظهر المواد الدرامية بدورها خاوية من المعنى، لأنها ببساطة تستمد غذاءها من اهتمامات جمهور لا يطلب أكثر من التسلية السريعة، ومن هنا، لا ترى أن السينما لا تعلّم أحداً شيئاً بالمعنى المباشر، لكنها قادرة على أن تُكرم صورة المرأة وتمنحها إنسانيتها، وعندها فقط يتعلم الطفل احترامها والابتعاد عن تأطيرها في صورة شهوانية ضيقة، وهو ما تعتبره خطوة أساسية لاجتثاث جذور جرائم الاعتداء الجنسي ضد الأطفال من أساسها.
تحويل الطفل إلى بطل لعلاقات لا تناسب عمره
وحين تتطرق إلى النماذج، تستعيد الناقدة فيلم «حلاوة روح» الذي نقل دور الطفل من مساحته الطبيعية في اللعب واللهو إلى دائرة الحب والعلاقات العاطفية والصراع دفاعاً عمن يحب، وتعتبر أن صنّاع الفيلم استنسخوا قصة أجنبية وزوايا تصويرها بحذافيرها، ليضعوا الطفلَ في سياق لا يشبه عالمه، وترى نوارة نجم هذا التحول في تناول شخصية الطفل على الشاشة، انعكاساً لواقع اجتماعي بات يقدّم نموذج الطفل «المتعجل أن يكبر»، على عكس السنوات الماضية التي كان فيها الطفل محمياً داخل عالمه الخاص، كما تستشهد بفيلم «بحب السيما» حيث كان الطفل نعيم يستكشف عالم الكبار بعيونه الفضولية، ويراقب ويتلمّس صورة جسد الآخرين التي تُترك عادةً في خانة «المحظور» و«العيب»، فلا يُسمح بالحديث عنها أو حتى الاعتراف بوجودها.
وتصل نجم في نهاية حديثها إلى الخلاصة التي تراها مفتاح الأزمة، وهي القيود المفروضة على السينما، سواء كانت رقابية أو اجتماعية، باعتبارها هي السبب في تراجعها وهزالة منتجها وضعف محتواها، فحين تُخنق الفكرة قبل أن ترى الضوء، لا يعود للفن القدرة على حماية الطفل أو غيره، ولا على ملامسة القضايا العميقة التي تُصلح ما أفسده الواقع، وبالتالي يصبح العاملون على صناعة السينما خائفين من مجرد طرح الأفكار الجريئة أو الحساسة، ومنها حماية الطفل لنفسه وتهذيب حاجاته الغريزية.