رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الخندق إلى المدائن.. رحلة حذيفة بن اليمان بين الخوف والبصيرة

غلاف كتاب حذيفة بن
غلاف كتاب حذيفة بن اليمان أمين سر الرسول

في زحام الأسماء اللامعة التي صنعت فجر الإسلام، يبقى اسم حذيفة بن اليمان وميضًا غريبًا لا يشبه أحدًا، ليس لأنه كان فارسًا جسورًا ولا لأنه كان صاحب عقل راجح ورؤية نافذة -وهو كذلك-، بل لأنه حمل على كتفيه ما لا يقدر عليه الكثيرون سرّ رسول الله .

الكتب إبراهيم محمد العلي، في كتابه "حذيفة بن اليمان أمين سر الرسول"، يتناول سيرته الفريدة، ليس مجرد سرد تاريخي لصحابي جليل؛ بل رحلة في عمق النفس الإنسانية، وفي دهاليز السياسة الأولى للإسلام، وفي كنه العلاقة بين القوة والصدق، بين الحكمة والخوف، بين معرفة الشر ومواجهته دون أن يُفسد النور الذي في القلب.

الطفل الذي أصبح عينا على الفتن

ينطلق المؤلف من جذور حذيفة، من تلك البيئة التي جمعت بين القسوة والبساطة، حيث يشكل الرجال بالتجارب لا بالكلمات، كان أبوه اليمان مهاجرًا إلى المدينة بحثًا عن أمان ضاع في الجاهلية، وكأن القدر كان يُعِدّ هذه الأسرة الصغيرة لدور كبير في مستقبل الأمة.

لم يكن حذيفة كبقية الفتية، منذ نشأته كان يملك عينا ثالثة ترى ما وراء الأحداث، وتلتقط ما بين السطور، وحين دخل الإسلام، لم يكن دخوله انفعالًا، بل وعيًا، ومسارًا سيقوده إلى موقع لم يبلغه أحد من صحابة النبي.

في مدرسة النبوة: حين يختبرك الوحي

في ساحات القتال، برزت شجاعة حذيفة، لكن النبي رأى فيه ما هو أبعد من السيف: رأى البصيرة، ولذلك، يوم اشتدت ليلة الخندق وتداخلت وجوه الرجال بالخوف، اختاره الرسول لمهمة لا ينهض بها إلا من كان قلبه ثابتًا كالجبل، ومضى حذيفة وسط الظلام والريح والجيش الجرار ليعود بأدق المعلومات، فكان في تلك الليلة رجلا يكتب التاريخ دون أن يدري.

سر المنافقين.. العبء الذي لا يحتمل

في لحظة مفصلية في تاريخ الإسلام، أخبر النبي، حذيفة بأسماء المنافقين؛ أولئك الذين يبتسمون في النهار ويطعنون في الليل، ولم يفش حذيفة اسما واحدا، ولم يستغل تلك المعرفة في دعاية أو نفوذ، وحمل السر كما يحمل القلب جرحا عميقا لا يراه أحد، حتى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، كان يسأل حذيفة بخوف صادق: "أسمّاني لك رسول الله؟".

فلسفة الشر.. حين يصبح السؤال ضرورة

بينما كان الصحابة يسألون رسول الله عن أبواب الخير، كان حذيفة يسأله عن الشر.

لم يسأل حبا في المجهول، بل خوفا على الدين من مكامن الظلام، وهكذا صار المرجع الأول لأحاديث الفتن وأشراط الساعة، رجلا يقرأ المستقبل بعين الوحي، ويقرأ المجتمع بقلب في غاية الحساسية.

كان يرى التحزب خطرا، والانقسام لعنة، واستغلال الدين بابا للفتن، ولذلك ظل يحذر ويذكر ويصحح، وكأنه يعرف ما ستواجهه الأمة في قرون قادمة.

في ميادين الفتح.. قائد لا يرفع صوته

لم تكن مكانته الروحية تمنعه من أن يكون قائدًا عسكريا بارعا في العراق وصنعاء والمدائن، عرفه الناس رجلا مستقيما لا يقبل فسادا ولا مجاملة، كما أن ولايته على المدائن تكشف جانبا آخر من شخصيته، كحاكما متواضعا، زاهدا، لا يغريه ملك ولا جاه.

الموت على طريقة العظماء

حين أدركه المرض، استقبل الموت كما يستقبل الرجل موعدا طال انتظاره، فلم يتغير وجهه، ولم يرتجف قلبه، فقد كان يعرف أن من عاش حياته للحق لن يخاف ساعة الحساب.

ورحل حذيفة بصمت، لكن أثره ظل صاخبا في كتب الحديث والتاريخ والسياسة الشرعية.

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء