ارتبطت القارة السمراء لدى إيران طويلًا بصورة نمطية تختزلها فى الفقر، والجوع، والتخلف، غير أن إفريقيا المعاصرة لم تعد تشبه تلك الصورة القديمة.
ففى السنوات الأخيرة برزت دول، مثل زامبيا وتنزانيا اللتين حققتا معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادى على المستوى العالمى، فضلًا عن اقتصادات مؤثرة، مثل جنوب إفريقيا ونيجيريا اللتين عززتا من الأهمية الاقتصادية للقارة. بعبارة أخرى، فإن القدرات الاقتصادية فى إفريقيا بارزة للغاية، ولهذا تُوصف اليوم بـ "قارة الفرص" نظرًا لمسارها السريع نحو النمو والتنمية.
البعد الجيوستراتيجي لإفريقيا
تتكون القارة السمراء من 54 دولة، وهذا يمنحها سلة تصويت معتبرة فى المنظمات الدولية، مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية والأمم المتحدة.
هذا الرصيد يمكن أن يُكسب أى حليف لها دعما سياسيا فعالا. بالنسبة لإيران فإن استقطاب أصوات إفريقية ضد القرارات التى تدين سجلها فى حقوق الإنسان، أو منع إصدار قرارات ضد برنامجها النووى، إذ تمتلك إفريقيا ما يقارب 28% من مقاعد الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما يعزز قدرة طهران على كسب كتلة تصويتية واسعة فى القضايا الدولية.
من جهة أخرى تعتبر إفريقيا ساحة رئيسية لتنافس النفوذ العالمى، خصوصًا بين الصين والولايات المتحدة.
فقد تمكنت الصين منذ عام 2009 من أن تصبح الشريك الاقتصادى الأول للقارة، بينما تحركت تركيا عبر أدوات القوة الناعمة، مثل المؤسسات التعليمية والدينية ووكالة التعاون "تيكا"، إلى جانب تأسيس قاعدة عسكرية فى مقديشو بالصومال بهدف السيطرة على طرق التجارة البحرية بالقرن الإفريقى وفتح أسواق للسلاح التركى خصوصًا الطائرات المسيرة "بيرقدار".
فى المقابل اعتمدت روسيا على شركة "فاجنر" –التى أُعيدت هيكلتها لتصبح تحت إدارة وزارة الدفاع الروسية بعد 2023– فى مجالات التدريب والحماية وتأمين النخب الحاكمة، إضافة إلى عقود التعدين والطاقة فى السودان، وذلك لخلق نفوذ جيوسياسى مضاد للغرب خاصة فى منطقة الساحل وغرب إفريقيا (مالى، وبوركينا فاسو، والنيجر) وضمان دعم سياسى ضد العقوبات الغربية.
بينما يرتكز النفوذ الإسرائيلى، على التعاون الأمنى والاستخباراتى مع دول شرق إفريقيا القريبة من البحر الأحمر، وصفقات الزراعة، والمياه، والتكنولوجيا، بهدف محاصرة النفوذ الإيرانى فى القارة والحصول على دعم إفريقى داخل الاتحاد الإفريقى، حيث سعت إسرائيل عام 2021 للحصول على صفة مراقب.
تموضع إفريقيا في النفوذ الإيراني
يوفر نفوذ إيران التاريخى فى شرق القارة وشمالها، خصوصًا فى مناطق، مثل زنجبار، وتنزانيا، وكينيا، والتى شهدت هجرات تاريخية لقبائل بلوشية و"شيراوية"، امتدادًا ثقافيًا وتاريخيًا فى المنطقة. هذه الخلفية يمكن أن تكون أساسًا لتعزيز التعاون السياسى والدبلوماسى.
وإلى جانب التنمية الاقتصادية، يمكن توظيف القدرات الإنتاجية لإيران فى الإطار الإفريقى مقارنة بنظيراتها الغربية أو حتى بعض القوى الشرقية، خاصة أن إيران تتمتع بميزة سعرية واضحة. وهذا العامل كان أحد أسباب نجاح الصين فى إفريقيا، حيث قدمت سلعًا وخدمات أرخص من منافسيها الغربيين.
صحيح أن الصين، رغم كونها الشريك الاقتصادى الأول للقارة اليوم، لا تملك الخلفية التاريخية نفسها التى تتمتع بها إيران. غير أن طهران لم تستثمر هذه الخلفية بشكل كافٍ فى الماضى، مما جعل إفريقيا "المنطقة المنسية" فى سياستها الخارجية خلال أوائل العقدين الماضيين.
إيران هى الأخرى تمتلك هذا الامتياز، ويمكن أن تبنى عليه نفوذًا اقتصاديًا متزايدًا. لكن فى المقابل، ستوفر إفريقيا لإيران مواد خام غنية وأساسية، تساعدها على تلبية بعض احتياجاتها الاستيرادية.
تحديات النفوذ الإيراني في إفريقيا
ثمة عقبات أمام تطوير العلاقات الإيرانية-الإفريقية، أبرزها الحملات الإعلامية والثقافية الغربية ضد إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979. هذه الحملات روجت لفكرة أن التعامل مع إيران مكلف ومحفوف بالمخاطر، وهو ما أثر على النخب السياسية والاقتصادية الإفريقية.
وبرغم ذلك تسعى حكومة بزشكيان إلى استكمال مسيرة روحانى فى إحياء العلاقات مع المناطق المهمشة فى السياسة الخارجية الإيرانية. وتعمل على توظيف أدواتها الإعلامية، مثل القناة الموجهة لإفريقيا التى تأسست عام 2019، لتصحيح الصورة وإطلاق دبلوماسية عامة تعرف الشعوب الإفريقية بإمكانات إيران.
العائق الآخر أمام إيران يتمثل فى البيروقراطيات المعقدة، والتى يجب تبسيطها لتسهيل الأنشطة الاقتصادية مع الأفارقة، لا سيما وأن إيران تعانى نقصًا فى المعرفة الدقيقة بالواقع الإفريقى، فى حين يمتلك بعض الأفارقة تصورات غير دقيقة عن إيران.
وبالنظر إلى أن القارة تضم أكثر من مليار نسمة، فهى تمثل سوقًا تصديرية ضخمة لإيران فى قطاعات، مثل الغذاء، والتكنولوجيا، والمعادن النفيسة، والغاز، والنفط، والسيارات، والطب وهى قطاعات تحتاجها القارة بشدة. ومن هنا تتضح مزايا إيران فى هذا المجال:
1- يمكن لإيران تلبية الاحتياجات الاستيرادية بتكلفة أقل بكثير.
2- فى ظل العقوبات الغربية، تستطيع إيران تقديم تسهيلات خاصة فى أنظمة الدفع، مثل استخدام عملة البريكس، ما يمنحها مرونة أكبر ويصعّب على الغرب مراقبة العمليات التجارية.
هذه العوامل تمنح إيران أفضلية فى السوق الإفريقية، بما يسمح بتنويع سلة صادراتها وزيادة عائداتها من النقد الأجنبى.
لكن من اللافت أن أنظار إيران تركز حاليًا على جمهورية الكونغو الديمقراطية، التى تُعد فقيرة اقتصاديًا لكنها تمتلك ثروات طبيعية هائلة، مثل الذهب، والتى تقدر قيمتها بما يعادل مجموع الناتج المحلى للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى معًا.
هذه الموارد يمكن أن تُستخدم من وجهة نظر إيران كوسيلة للتعاملات المالية مع الأفارقة، بما يعزز الالتفاف على العقوبات ويقوى قيمة العملة الوطنية.
في المقابل، تظهر التجارب السابقة، مثل تنشيط العلاقات الاقتصادية مع آسيا الوسطى، والقوقاز، وأمريكا اللاتينية أن الحكومة الإيرانية تسير بوعي نحو استثمار المناطق "المهملة" فى سياستها الخارجية. ولا شك أن إفريقيا تمثل المسعى الإيرانى لتتموضع كشريك اقتصادى وسياسى مهم، مع تحويل هذه الشراكة إلى رافعة قوية للتغلب على التحديات الاقتصادية والعقوبات الأمريكية تحديدًا.
فرص إيران للتقارب مع إفريقيا:
رغم أن الدور الإيرانى فى إفريقيا لا يزال محدودًا مقارنةً بالقوى الأخرى، إلا أن صانع القرار فى طهران يرى أن تراجع النفوذ الغربى، وخاصة انسحاب فرنسا من غرب القارة، يمثل فرصة استراتيجية لتوسيع الحضور الإيرانى. ويكشف توقيع اتفاقية التعاون بين إيران والنيجر فى أبريل 2025 (رغم غياب بيانات رسمية مفصلة) عن سعى طهران لملء الفراغ الناتج عن الانسحاب الفرنسى من مستعمراتها السابقة.
ومن أجل ذلك، تتحرك إيران فى إفريقيا عبر مسارين متوازيين:
1- المسار الرسمى، عبر الحكومات والمؤسسات الرسمية، خصوصًا فى شرق القارة والقرن الإفريقى، حيث تركز على تعزيز التعاون الأمنى والعسكرى.
2- المسار غير الرسمى، من خلال توظيف المجتمعات الشيعية والجماعات شبه العسكرية كأذرع اجتماعية وأمنية.
وبواسطة الأنشطة الاستخباراتية والأمنية، وأذرعها الإقليمية، مثل الحوثيين فى اليمن، تسعى إيران لتثبيت موقعها.
أما مع انتشار الجماعات الشيعية بأعداد كبيرة فى الدول الإفريقية، سواء فى نيجيريا، التى تضم وحدها ما يقارب خمسة ملايين شيعى، إضافة إلى وجود واضح فى السنغال، وسيراليون، وغانا، وليبيريا، وساحل العاج، ومالى، وغينيا بيساو، غينيا كوناكرى، وكذلك فى شرق القارة (كينيا وتنزانيا) وجنوبها (جنوب إفريقيا).
فهذا الامتداد الشيعى يشكل رافعة طبيعية للنفوذ الإيرانى، خصوصًا أن هذه المجتمعات تضم شرائح مؤثرة من أصول عربية ولبنانية، وبالتالي يمنحها دورًا سياسيًا واقتصاديًا فى محيطها.
خاتمة:
في المحصلة، تسعى إيران لاستثمار الساحة الإفريقية كجزء من إعادة صياغة دورها كقوة إقليمية ذات أذرع عابرة للقارات، خاصة إذا نجحت فى تحويل القارة السمراء إلى مجال استراتيجى يحقق لها ثلاثة أهداف فى آن واحد: كسر العزلة الدولية، كسب تحالفات إقليمية تدحض من بروباجناد إيرانوفوبيا، وخلق بديل اقتصادى وسياسى يعوض خسائرها فى الشرق الأوسط.
.