على الرغم من تأكيد الدولة اللبنانية علي حصرية السلاح في يد الدولة إلا أن هذه الرسالة الضمنية التي أشارت فيها الولايات المتحدة لإسرائيل بالهجوم علي الضاحية الجنوبية للبنان هو تطور لافت على الساحة الإقليمية فقد تتزايد المؤشرات على السماح لتنفيذ ضربة عسكرية ضد "حزب الله" في لبنان وسط تصاعد التوترات على الحدود الجنوبية وتكثيف الخطاب الإسرائيلي بشأن سلاح الحزب هذه الرسالة الضمنية هي مكافأة من الولايات المتحدة لإسرائيل إذا تقدمت نحو المرحلة الثانية من اتفاق غزة فستعطي شرعية أمريكية للعمل في لبنان عسكريًا علي الرغم من جهود الدولة في لبنان على التزام الكتل السياسية في عدم التغريد خارج السرب اللبناني وتنفيذ أجندات سياسية خارجية أو التعاطي مع الولاءات الأيديولوجية.
فإسرائيل تحاول توريط حزب الله لكسر قواعد الاشتباك وكأنها تسعى عمدًا إلى دفعه نحو مواجهة مفتوحة لتختلق بذلك ذريعة أمام المجتمع الدولي لإحياء القرار 1701 سياسيًا وإقناع الحزب بالعودة إلى ما وراء نهر الليطاني، فإسرائيل لا تبحث فقط عن ردع تكتيكي بل عن تفجير شامل يعيد رسم المعادلة الأمنية في جنوب لبنان من أجل زيادة مساحة المناطق الآمنة للمستوطنات الإسرائيلية في الشمال.
فضلا عن وضع الحزب في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي من أجل القضاء علي النفوذ الإيراني الذي مثّل جبهة إسناد واسعة لحركة حماس فأي تصعيد من هذا النوع لن يكون محصورًا في الجنوب اللبناني بل قد يمتد إلى بيروت والبقاع ويهدد بانهيار ما تبقى من الاستقرار اللبناني.
ولهذا كانت تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن "تل أبيب ستدافع عن نفسها وفق اتفاق وقف النار مع لبنان ولن تسمح بتحوّل لبنان مجددًا إلى جبهة ضدها وهو ما توافق مع تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس حين صرح بأن "إسرائيل ستعود لقصف بيروت إذا استُهدفت مستوطناتها فضلا عن تعنت إسرائيل في التخلي عن النقاط الخمس في جنوب لبنان كما أنها لن تسمح بإعادة إعمار القرى الحدودية التي ترى فيها تهديدًا محتملًا هذا بجانب أن الجيش الإسرائيلي يضع سيناريوهات متعددة تشمل أيامًا من القتال النشط ضد الحزب في حال اندلاع مواجهة.
الخشية الإسرائيلية الكبرى تكمن في استمرار الحزب ببناء ترسانته العسكرية مستفيدًا من الوقت والمفاوضات الطويلة حول سلاحه والتي يشبهها البعض بمفاوضات الملف النووي الإيراني وقدرة صانعي السجاد ذوي النفس الطويل في مفاوضات 5+1 حتى التعاطى مع العقوبات الدولية سناباتك من أجل تفادي الضغوط والعمل علي تحقيق مكاسب واقعية
وعلي هذا النهج يتعامل "حزب الله" مع ملف سلاحه كقضية تفاوضية طويلة الأمد وليس كأولوية وطنية قابلة للتسليم فالحزب يراهن على الانتخابات النيابية المقبلة لتجديد شرعيته السياسية ويعتبر أن صناديق الاقتراع هي الوسيلة لحماية سلاحه من الضغوط الداخلية والخارجية.
ولكن هذا الموقف يضعه في مواجهة مباشرة مع المطالب الإسرائيلية والدولية ويزيد من احتمالات التصعيد خاصة إذا اعتبرت إسرائيل أن الوقت ينفد وأن الحزب يستغل الهدوء لبناء قدراته العسكرية.
على جانب آخر، تجد الحكومة اللبنانية نفسها في موقف لا تحسد عليها فعلي الرغم من إعلانها أن الحوار والمفاوضات المباشرة هي السبيل الوحيد من أجل إقرار السلام في المحيط الجغرافي فهي لا تملك القدرة على فرض نزع سلاح الحزب ولا تملك هامشًا واسعًا للمناورة بين الضغوط الدولية والداخلية أضف إلى ذلك الضغوط الإسرائيلية المتكررة للحكومة اللبنانية بتنفيذ التزاماتها وفق اتفاق وقف النار تضعها أمام اختبار صع وهو ما أدى إلى الانقسام السياسي الداخلي حول سلاح الحزب لا يزال قائمًا بين من يعتبره ضمانة ردع لأن إسرائيل لا تلتزم بالقرارات الدولية ومن يراه سببًا للعزلة والعقوبات فهذا الانقسام يضعف الموقف اللبناني الرسمي ويجعل البلاد عرضة للتجاذبات الإقليمية.
فالدول الأوروبية رغم تحفظها على سلاح الحزب لا تؤيد التصعيد العسكري وتفضل الحلول الدبلوماسية في حين أن روسيا التي تراقب التطورات بحذر خاصة في ظل وجودها العسكري في سوريا ومحاولة هندسة المشهد السياسي السوري في ظل إعادة التموضع التركي الأمريكي الإسرائيلي في سوريا واستخدام الأقليات الأثنية للضغط على أحمد الشرع في تنفيذ هذه المخططات التي تخدم مصالحهم.
وهنا كان اختار الرئيس اللبناني جوزيف عون «حلاً عملياً» للتوتر المتواصل على الحدود الجنوبية ضمن تصور «أقرب إلى المنطق والواقع» لوضع حل مستدام للأزمة مع إسرائيل يقضي بتثبيت الاستقرار ويربط الخطوات اللاحقة بالموقف العربي وهو مبادرة تنتظر رد فعل الأطراف المعنية عليها وتتألف المبادرة من 5 نقاط تبدأ أمنيا من إعلان استعداد لبنان لاستكمال انتشار الجيش على الحدود الجنوبية وتنفيذ حصرية السلاح في المنطقة مقابل انسحاب إسرائيل من المناطق التي تحتلها ووقف الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار وإطلاق الأسرى وتتوسع إلى تفاوض مع إسرائيل برعاية أممية أو أمريكية أو دولية مشتركة تفضي إلى «اتفاق يرسي صيغة لوقف نهائي للاعتداءات عبر الحدود».
وهنا تظل التصريحات الأمريكية الأخيرة سواء من الموفدين أو المسؤولين تؤكد علي بأن واشنطن لا تمانع في أن تتخذ إسرائيل إجراءات عسكرية ضد الحزب هذا الضوء الأخضر، وهذا لا يعني بالضرورة مشاركة أمريكية مباشرة لكنه يعبر عن غطاء سياسي يسمح لإسرائيل بالتحرك دون خشية من ردود فعل دولية قاسية خاصة في ظل إدارة أمريكية تعتبر "حزب الله" منظمة إرهابية وتدعم جهود إسرائيل في "الدفاع عن النفس".
ولكن هذه التدخلات العسكرية الإسرائيلية في لبنان قد تقود إلى عدة سيناريوهات منها ما يتمثل في استمرار التهويل الإسرائيلي دون تنفيذ فعلي بهدف الضغط على الحزب والحكومة اللبنانية أو تنفيذ ضربة محدودة تستهدف مواقع عسكرية للحزب دون الانجرار إلى حرب شاملة أو السيناريو الأسوأ وهو اندلاع مواجهة واسعة في حال رد الحزب بقوة على أي ضربة ما قد يؤدي إلى حرب جديدة على غرار 2006.