المغامرة والصراع والخيال العلمي.. كيف تناول الأدب العالمي كوكب المريخ؟
منذ منتصف القرن التاسع عشر، لم يعد المريخ مجرد نقطة حمراء صغيرة في السماء، بل أصبح أحد أبرز المسارح الأدبية في الرواية العالمية، فبحسب باحثين، تجاوز عدد الأعمال السردية التي تناولت الكوكب الأحمر آلاف الروايات، فيما تراوحت تصورات الكوكب بين عالم تسكنه حضارات متقدمة إلى مستعمرة بشرية مستقبلية، في رحلة طويلة عبر الخيال العلمي والأدب الطوباوي.
رصد "القنوات" ونشأة الخيال حول المريخ
تعود الانطلاقة الحديثة في تصوير المريخ إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما أعلن الفلكي الإيطالي جيوفاني شياباريلي عن رصده لخطوط على سطح الكوكب أطلق عليها اسم "canali"، والتي ترجمت في الصحافة إلى "قنوات".
وربط الفلكي الأمريكي بيرسيفال لويل هذه القنوات بفكرة حضارة مريخية متقدمة قادرة على ري كوكب يكاد ينضب، وألهمت هذه الفكرة سلسلة من الروايات المبكرة مثل "Across the Zodiac" لبرسي جريج، التي صوّرت المريخ ككوكب أقدم وأكثر نضجاً من الأرض، حيث تعيش مجتمعات مثالية ومتطورة.
"حرب العوالم" وتحول المريخ إلى كوكب عدائي
الانعطاف الكبير جاء مع الروائي الإنجليزي هربرت جورج ويلز في روايته الشهيرة "حرب العوالم"، التي رسمت صورة المريخ كقاعدة لكائنات فائقة الذكاء والتقنية، تهاجم الأرض بحثًا عن موطئ قدم جديد بعد نفاد موارد كوكبها.
واعتبر النقاد أن هذه الرواية استعارة لعنف الاستعمار الأوروبي في عصر ويلز، وأسست نموذج "المريخي الغازي" الذي أصبح متكررًا في الأدب العلمي الشعبي لاحقًا.
من الرعب إلى المغامرة في روايات إدجار رايس بوروز
مع بداية القرن العشرين، قدّم الأمريكي إدجار رايس بوروز المريخ من منظور المغامرة والفانتازيا في روايته "أميرة المريخ"، أولى أجزاء سلسلة "بارسوم"، حيث صوّر فيها المريخ عالمًا غنيًا بالقبائل والمدن الطائرة والمخلوقات الغريبة.
وتدور القصة حول الجندي الأمريكي جون كارتر الذي يكتسب قدرات خارقة بفضل جاذبية الكوكب المختلفة، ويخوض مغامرات لإنقاذ الأميرة ديجا ثوريس، في مزيج من الفانتازيا والرومانسية والسيف.
المريخ مرآة لمخاوف القرن العشرين
في منتصف القرن العشرين، أعاد الأمريكي راي برادبري رسم صورة المريخ في كتابه "سجلات المريخ"، مجموعة قصصية تربط بين محاولات البشر استعمار الكوكب الأحمر وانهيار الأرض بسبب الحروب النووية والعنصرية والانحلال الأخلاقي.
على أن المريخ لم يكن عند برادبري كوكبًا واقعياً علمياً، بل كـ"مرآة" تعكس مخاوف الإنسان من الاستعمار والإبادة الثقافية وعنف العنصرية والهواجس النووية.
المريخ بين العلم والخيال
مع تقدم البعثات العلمية مثل "مارينر" و"فايكنغ" و"فونيكس"، بدأ الروائيون يقتربون من تصوير المريخ كما هو في الواقع، وفي تسعينيات القرن العشرين، قدّم كيم ستانلي روبنسون ثلاثيته الشهيرة "المريخ الأحمر"، "المريخ الأخضر"، "المريخ الأزرق"، التي تتبع مشروع استيطان المريخ وتحويله تدريجيًا عبر شخصيات من العلماء والمهندسين والسياسيين.
وفي العقد الأخير، عاد المريخ إلى صدارة الثقافة الشعبية مع رواية آندي وير "المريخي"، التي تحولت لاحقًا إلى فيلم سينمائي عالمي، إذ تروي الرواية قصة رائد الفضاء مارك واتني، الذي يُترك وحيدًا على الكوكب بعد عاصفة رملية، ويخوض معركة للبقاء باستخدام معرفته بالهندسة والزراعة والفيزياء لتأمين الغذاء والماء والحفاظ على التواصل مع الأرض، لتتحول تجربة البقاء على المريخ إلى قصة ملحمية عن الصمود والذكاء البشري.