رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«حدّثني وافهم وجعي».. معرض يعيد إحياء قصص أقدم مستشفى للأمراض النفسية

من لوحات المعرض
من لوحات المعرض

داخل مستشفى بيثلم الشهير في لندن، أقدم مستشفى للأمراض النفسية في العالم، يفتح معرض "Kindred" أبوابه ليقدّم تجربة فنية تبحر في عمق الروابط الإنسانية، حيث يحتضن المتحف هذا العرض الفني الذي يسعى إلى قراءة العلاقات الاجتماعية وكيف تنجح المجتمعات، في زمن مضطرب، في أن تكون مصدر طمأنينة أحياناً وسبباً في العزلة في أحيانٍ أخرى.

حكاية خوف مرسومة بالألوان

ضمن الأعمال المعروضة لوحة "مجموعة الصباح" للفنانة الراحلة شارلوت جونسون وال، والدة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون، رسمتَها خلال فترة علاجها في مستشفى مودسلي. تظهر اللوحة خوفها من جلسات العلاج الجماعي، وتجسّد بملامح متوترة إحساسها بالعجز أمام تلك التجربة التي عاشتها في صمت مؤلم.

ويضم المعرض أيضاً ثلاث لوحات للفنان المعاصر ماد، يستعرض خلالها انتقاله من انعدام الثقة إلى التعافي عبر العلاج، ويوضح الفنان في تعليق مرفق بأعماله أنه يؤمن بقدرة المجتمعات المتفهمة على دفع المرضى نحو الشفاء، مؤكداً أن تجارب من شاركوه محنته كانت أساس رحلته نحو التعافي.

اسم يحمل معنى مزدوجاً للعلاقات الإنسانية

ريبيكا رايبون، مسؤولة المعارض بالمتحف، تشرح لصحيفة "تايمز" أن اختيار اسم "Kindred" جاء ليعكس الوجهين المتناقضين للعلاقات الاجتماعية: قدرتها على بناء روابط إيجابية، وفي الوقت نفسه إمكانية أن تكون عبئاً يضاعف الشعور بالوحدة. 

وتقول رايبون إن الصحة النفسية لا تُختَصر في نتيجة واضحة، بل هي مسار طويل يختلف من شخص لآخر، وقد يكون المجتمع في لحظة مصدر احتواء، وفي أخرى سبباً في مزيد من العزلة.

كما توضح أن فكرة المعرض جاءت رداً على تحديات واجهها قطاع المتاحف في السنوات الأخيرة، مع تصاعد الاستقطاب السياسي والاجتماعي. ومن هذا المنطلق قررت إدارة المتحف تقديم معرض يتناول التماسك الاجتماعي ودوره في الصحة النفسية، معتبرة أنه موضوع ملحّ يرتبط بالعلاج بقدر ما يرتبط بالثقافة.

فن يترجم تجربة علاج قاسية

تعكس أعمال شارلوت جونسون تحديداً الوجه القاسي للعلاج الجماعي، إذ رسمت الفنانة نفسها كالسيدة ذات الشعر الأحمر في اللوحة، وقد ارتسم الرعب بوضوح على ملامحها. 

يُذكر أن  جونسون كانت قد عانت خلال فترة علاجها من اضطراب الوسواس القهري، الذي لم يكن مفهوماً آنذاك، وتلقت صدمات كهربائية وعلاجاً بالنفور، لكنها خرجت من التجربة حاملة معها 78 لوحة شكّلت جزءاً من معرض احتفلت به قبل خمسين عاماً.

شهادة من الابنة عن حياة أم منهكة

راشيل جونسون، ابنة الفنانة وصحفية معروفة، تعود بذكرياتها إلى ما كانت عليه العائلة حين دخلت والدتها مستشفى مودسلي. كانت حينها في الثامنة من عمرها، بينما كان أشقاؤها بوريس في التاسعة، وليو في السادسة، وجو في الثانية.

وتقول إن والدتها، رغم دراستها في جامعة أكسفورد، تزوجت قبل التخرج، ووجدت نفسها في عمر الثلاثين مسؤولة عن أربعة أطفال، في وقت كان والدهم كثير السفر ولا يساعد في شؤون المنزل، بينما كانت تعيش في منزل ريفي معزول بلا غسالة ولا سيارة، وتقطع طريقاً ترابياً طويلاً لتوصل أبناءها إلى المدرسة بسيارة جارة العائلة.

وتشير راشيل إلى أن والدتها، بعد انتقال الأسرة إلى بروكسل وتفاقم مشاكل الزواج، لم تعد قادرة على الاحتمال، فلجأت إلى المستشفى لتلقي العلاج. وتقول إن أمها كرهت العلاجات التي اعتبرتها بدائية وقاسية، لكنها في النهاية وجدت في الرسم الطريق الوحيد للتعبير عن مشاعرها.

أعمال أخرى تكمل صورة التجربة الإنسانية

إلى جانب أعمال جونسون وماد، يعرض المعرض لوحة زيتية ضخمة بعنوان "المجموعة" للفنان الراحل والمعالج الفني تشارلز لوتينز، ولوحة ديفيد تشيك "أشخاص يحاولون الوصول إليّ" المؤرخة بعام 1986. 

ويضم المعرض كذلك صورة "التمسك بأبي" للمصور بنجي ريد، الفائزة بجائزة ويلكوم ترست للتصوير الفوتوغرافي عام 2020 ضمن فئة الصحة النفسية، إضافة إلى أعمال خزفية نابضة بالحياة للفنانة التشيلية بيبي هيريرا، وهي سجينة رأي سابقة تلقت علاجاً في بيثلم.

وفي تعريف رسمي نشرته إدارة المعرض، أوضحت أن التجربة الإنسانية ليست تجربة فردية فقط، بل هي مزيج من التاريخ والذاكرة والعلاقات الأسرية والصداقة والمجتمع، مؤكدةً أن الأعمال المشاركة تعبّر عن حاجة الفنانين إلى أن يُسمَع صوتهم ويُفهَموا، وكأنها تقول: "استمع إليّ، تحدّث معي، افهمني، ولا تجعل العلاج محصوراً في وصف الدواء".

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء