تشياباس.. كيف تحولت إلى "مثلث برمودا" المهاجرين غير الشرعيين في العالم
في منطقة سان خوسيه إل هوياتي وبويرتو ماديرو الساحلية في تشياباس، بالقرب من الحدود مع جواتيمالا، فُقد آثر 83 مهاجراً في عمليات اختفاء جماعية متكررة ومأساوية، إذ أصبحت أخطر أماكن الهجرة غير القانونية في العالم.
تمكنت صحيفة "إل بايس" الإسبانية، من تحديد ثلاث حالات اختفاء جماعي تتبع نمطًا مشابهًا خلال الفترة من سبتمبر إلى ديسمبر 2024، خصوصًا مع قوارب تبحر شمالًا ولا تصل أبدًا إلى وجهتها، وتضم قائمة الضحايا نساء وأطفالًا، إلى جانب العديد من الشباب، في إقليم تتصاعد فيه حرب الجريمة المنظمة، تشير البصمات إلى تفعيل شبكة منظمة للاتجار بالبشر.

تلاشي الأثر على الساحل
تعد سان خوسيه، إل هوياتي قرية منعزلة، لسان من الأرض يطل على المحيط الهادئ ومحاط بأشجار الموز، لا يصل إليها المرء إلا عبر طريق فرعي ضيق، هذا الركن من ساحل تشياباس، بمحاذاة جواتيمالا، أصبح النقطة الأخيرة في مسار العديد من المهاجرين.
في 21 أكتوبر 2024، ودّعت الشابة الهندوراسية سيندي بويسو والدتها من كوخ "بالابا" على الشاطئ، واستقلت قاربًا مع طفليها، دانيال الرضيع وفالنتينا (3 سنوات)، متجهة إلى أواكساكا، انقطع الاتصال بهم بعد ذلك.
وفي 21 ديسمبر 2024، غادرت مجموعة أخرى تضم عشرات الأشخاص، من بينهم خورخي لوزادا، وإيليانيس موريخون، ومايلينغ برافو، وسامي رييس، ولورينا روسابال، ودايرانيس تان، وريكاردو هيرنانديز، وجيفرسون كوينديل، وكارلا، على متن قاربين من مبنى خرساني قيد الإنشاء في القرية، وتوقف أثرهم قرب الشاطئ.
بينما قبل ذلك، وتحديدًا في 5 سبتمبر، تبخرت مجموعة من 23 مهاجرًا، انطلقت أيضًا في قارب من بويرتو ماديرو جنوبًا، ولم يتبق منهم سوى مقطع فيديو وداع أخير.
في الأشهر الأربعة الأخيرة من عام 2024، ووسط أزمة هجرة غير مسبوقة في المكسيك، اختفى ما لا يقل عن 83 مهاجرًا، وبعد عام كامل، لا يزالون مفقودين، وعائلاتهم وحدها هي من تبحث عنهم.

تحول تشياباس.. من "الأكثر أمانًا" إلى "أرض مُلغمة"
لطالما كانت الحدود الجنوبية للمكسيك، وخصوصًا تشياباس، أفقر ولايات البلاد، أرض بؤس للمهاجرين الحالمين بحياة جديدة في الولايات المتحدة. ومع إغلاق الحدود في عام 2020، علق الآلاف في فخ العمليات المهاجرة القاسية والبحث عن اللجوء في تاباشولا، المدينة التي تحولت إلى مأوى ومصيدة في آن واحد، وتف منظمة إنسانية" المهاجرون كانوا منجمًا للذهب".
كانت المنطقة تحت السيطرة المطلقة لكارتل المخدرات “سينالوا” حتى عام 2022، ما جعلها من أكثر الولايات أمانًا، لكن الانشقاق داخل الكارتل وهجوم كارتل خاليسكو الجيل الجديد (CJNG) حوّلا هذه الحدود إلى أرض مُلغمة، إذ يريد المجرمون السيطرة على كل شيء، وأصبح المهاجرون هدفًا ثمينًا.
تغير قواعد اللعبة
ما قبل 2024 كان التهريب غير الشرعي يجري بشكل "حِرفي"، وكانت المخاطر الرئيسية هي الغرق أو الاعتقال، وكان مركز "سيجلو 21" للهجرة، أحد أكبر مراكز الاحتجاز في أمريكا اللاتينية، هو المكان الذي يتم فيه العثور على 90 إلى 95% من المفقودين.
ومنذ 2024، يلاحظ مركز "فراي ماتياس دي كوردوفا" لحقوق الإنسان أن هذا تغير، حيث لم يعد المفقودون يُعثر عليهم في "سيجلو 21"، ويرتبط هذا بغيابهم عن مراكز الاحتجاز بتصاعد العنف في تاباشولا، حيث أدت حرب الكارتلات إلى صراع مدني غير معترف به، أسفر عن نزوح داخلي لأكثر من 10,000 شخص وارتفاع في منسوب الجرائم.

نظام الختم والابتزاز
لا يدخل أحد إلى الولاية دون دفع "الحصة". أما أولئك الذين لم يدفعوا مسبقًا للكويوت (المهرب)، فقد تعرضوا للاصطياد بين سيوداد إيدالغو وتاباشولا (مسافة 30 كيلومتراً)، حيث تم اختطاف الآلاف في عام 2024. كان يتم احتجازهم في أماكن مغلقة لطلب فدية تبلغ حوالي 1000 بيزو (حوالي 50 دولاراً أمريكياً)، وعند إطلاق سراحهم، كان يوضع عليهم "ختم" على شكل ديك أو طائر، كعلامة على أنهم دفعوا نصيب الكارتل.
هذا النظام الإجباري تحول إلى آلة ضخمة، وكان مصير من لم يستطع الدفع هو الموت، أو العمل القسري، أو الاختفاء.
طريق القوارب المميت والمصير المجهول
المهاجرون المفقودون، الذين جاءوا من جمهورية الدومينيكان، الإكوادور، الأردن، كوبا، هندوراس وكولومبيا، اتبعوا مسارات مختلفة، وحصلوا على "ختم" عند دخول تاباشولا، لكنهم جميعاً انتهى بهم المطاف في "منازل آمنة" على ساحل تشياباس.
كانت وجهتهم النهائية الموعودة هي جوتشيتان دي ساراغوزا في أواكساكا، محطة استراتيجية قبل الانتقال براً إلى مكسيكو سيتي، الوجهة التي دفعت عائلاتهم ثمنها، ولكنهم لم يصلوا
لم تتمكن أمانة البحرية المكسيكية من تحديد أي حوادث غرق أو حوادث أو عمليات إنقاذ في تلك المنطقة خلال التواريخ المذكورة، وتشير كل الدلائل إلى أن المهاجرين اعترضتهم الجريمة المنظمة في نقطة ما.
دفعت عائلاتهم عمليات ابتزاز وتلقت تهديدات، دون أي دليل على حياة أحبائهم سوى قائمة أسماء وتوقيعات ونسخ من جوازات سفر، وبعد عام من الاختفاء، لم تتصل السلطات المكسيكية بالعائلات لإجراء مقابلات أو طلب تحديد مواقع الهواتف المحمولة. وقد منح "فريق الأمم المتحدة لمناهضة الاختفاء القسري" بالفعل تدابير عاجلة تطالب حكومة المكسيك بالبدء الفوري في البحث.
أليثيا سانتوس، والدة خورخي لوزادا (من كوبا): "لقد كنا نكافح ضد اللامبالاة والتقاعس... هل حياة المهاجر ليس لها قيمة في المكسيك؟".

البحث عن سيندي بويسو: بين الشاطئ وبيت الأمان
في سان خوسيه إل هوياتي، القرية الفقيرة والنائية التي يقطنها أقل من 1000 شخص، كان اللانشيرو (قائد القارب) شاهد عيان على مرور العديد من المهاجرين "المُعذّبين" على متن القوارب المتجهة شمالاً. لكنه يؤكد أن الحركة الآن هادئة، وأن أولئك الذين "أزعجوا" قد اختفوا.
تروي تيريزا باريرا، والدة سيندي بويسو (من الولايات المتحدة)، أنها لم تكن تعلم أن ابنتها ستسلك الطريق البحري مع طفليها، وتشير إلى أن ابنتها أرتها البحر في آخر مكالمة: "كانت قريبة، ذلك المنزل ذو السقف المصنوع من سعف النخيل على الشاطئ".
آخر رسالة: في 21 أكتوبر 2024، حوالي الساعة 11 صباحاً، قالت سيندي لوالدتها: "نحن 20 شخصاً من جميع البلدان"، وأرسلت رسالتها الأخيرة في الساعة 3:21 مساءً (بتوقيت الولايات المتحدة): "ماما، سأغلق الهاتف لأننا سنذهب الآن". انقطع الاتصال بعدها.
لم يرسل المهربون مطلقاً صورة لسيندي والأطفال وهم على متن القارب، مما يزيد من شكوك العائلة. وتلقت العائلة إشعارات غير مؤكدة بأن أشخاصاً رأوهم في بويرتو ماديرو في فبراير، حيث كانت سيندي تعمل كنادلة في مطعم "بالابا".
استنتاج الأم: "أعتقد أن ابنتي كانت مخطوفة، لكن الآن، في أعماق قلبي، أعتقد أنها هناك، في تشياباس، ربما تكون حرة، لكنها وقعت في يد شخص يجبرها على العمل، ربما من أجل البقاء".

الطريق البحري: من تهريب حِرفي إلى سيطرة الكارتلات
تنتشر صور كاميلا وشارلوت، المفقودتين في 5 سبتمبر، على جدار مطعم في بويرتو ماديرو مع سؤال: "هل رأيتهما؟". تكشف عاملة مهاجرة في مطعم محلي أن الأغلبية في قطاع الضيافة هنا هم مهاجرون يئسوا من الوصول إلى الشمال واستقروا في انتظار أوراقهم أو عودتهم جنوباً.
باحث: "تم فرض قواعد معينة لم تكن موجودة من قبل على الصيادين... تم إبلاغهم بأنهم لا يستطيعون الذهاب إلى أماكن معينة، ولا يمكنهم التواجد في هذه الأيام، أو هذه الساعات، أو في هذه الأماكن".
يعد الطريق البحري نشط منذ عقد، وتعزز منذ عام 2018 كطريق بديل عند اشتداد القيود البرية، مع تدهور صيد الأسماك، تحول بعض الصيادين، بدافع البقاء، إلى جزء من النظام، إما بتهريب الأشخاص أو كـ "صقور للبحر" (مراقبين)، وتحولت الطريق البحرية إلى الأكثر خطورة في منطقة تعتبر بالفعل الأخطر لعبور المهاجرين، لأن المجموعات على متن القوارب تصبح بلا مفر.
في 21 ديسمبر 2024، ارتدت إيليانيس موريخون (18 عامًا) سترة النجاة في رصيف سان خوسيه إل هوياتي، وشاركت أرقام هواتف أدلائها وطباخين كانوا في "بيت الأمان"، وكتبت لعائلتها: "تحسبًا لعدم عودتي".
تساؤلات حول المستقبل
يبدو نهر سوتشياتي الآن فارغًا، وطرق تاباشولا التي كانت مكتظة تبدو هادئة. يعترف مسؤول هجرة بأن حركة العبور انخفضت بنسبة 90%. في الملاجئ التي كانت تضم 1600 شخص للنوم، يوجد الآن 80 شخصًا فقط ينتظرون.
أدت السياسات القاسية، إلى جانب الهجوم الظاهري للحكومة الجديدة في تشياباس عبر فرق أمنية، إلى إخفاء تهريب المهاجرين عن المشهد العام.مركز فراي ماتياس دي كوردوفا: "نعتقد أن مستوى العنف لم يصبح إلا غير مرئي".
تطلق المنظمات الإنسانية ناقوس الخطر من احتمال أن تكون ديناميكيات الاختفاء الجماعي والمقابر الجماعية التي كانت سائدة في شمال المكسيك، قد انتقلت إلى هذه الأراضي الخضراء الجنوبية. والسؤال الذي يطرحونه هو: ما الذي سيتم اكتشافه عندما يرحل الإجرام ويصبح بالإمكان التحقيق في أرض ومياه هذه الحدود؟