أحمد الجنايني محذرًا من انفصال التعليم عن الثقافة: يحصر الطفل بخانة الخطر
يشير الواقع الثقافي المصري إلى غياب مشروع قومي واضح يركز على «صناعة خيال الأطفال»، وهو ما ينعكس بشكل واضح على مختلف أركان الثقافة الموجهة للطفل، بدءًا من مسرح الطفل مرورًا بالمجلات الثقافية المخصصة لهم، وصولًا إلى ندرة برامج الرسوم المتحركة التي تشكل جزءًا أساسيًا من بناء الوعي الفني والخيالي للأطفال، فبينما تحتل الثقافة مكانة نظرية في السياسات العامة، فإنها لا تمتلك على أرض الواقع أدواتٍ عملية لتطوير فكر الطفل وصناعة محتوى متكامل يربط بين التعليم والإبداع، وهو ما يحصره في خانة الخطر ما بين الخضوع لأفكار سلبية أو السكوت عن تصرفات شائنة تمارس بحقه.
أزمة المتاحف والخلاف بين الفن والتعليم
يؤكد الفنان التشكيلي ورئيس أتيليه القاهرة أحمد الجنايني أن المشكلة ليست مقتصرة على غياب المؤسسات أو المشاريع الكبرى، بل تمتد إلى فهم المجتمع ذاته لماهية الثقافة والفن، إذ قال لـ«إيجيبتك» إن هناك خللاً كبيرًا في التعامل مع مفهوم المتاحف، وخاصة ما يُطلق عليه متحف الفن الحديث أو المتاحف الفنية بشكل عام، موضحًا أن المشكلة تنحصر في محورين أساسيين: الأول هو الخلط وعدم الوعي بالفرق الكبير بين متحف خاص بفنان يضم أعماله وآثاره بالكامل، وبين متحف فن حديث يضم أعمالًا متحفية تخضع لمعايير إبداعية ومتحفية محددة، مضيفًا أن هذا الخلط أدى إلى تكديس أعمال فنية كثيرة لا تنطبق عليها شروط العمل المتحفي، مما يُفقد المتحف قيمته كمنبر ثقافي متكامل.
أما المحور الثاني، فيرى الجنايني أنه ناتج عن الهوة الكبيرة بين التعليم والثقافة، أو بين التعليم واستثماره في ضخ المعرفة العلمية في شريان الحياة الثقافية، بقوله إن غياب الأسس العلمية والمنهجية في التطبيقات الثقافية جعل العلم والثقافة محض عبء على المجتمع، على الرغم من أنهما يشكلان شريانًا مهمًا لدعم الصناعات الثقافية، التي تُعد في الأساس الممول الرئيس للدخل القومي.
تراجع البرامج الثقافية المخصصة للأطفال
تنعكس هذه الهوة بوضوح في تراجع مسرح الطفل الذي كان يومًا مساحة لصقل خيال الأطفال وتنمية إدراكهم الفني والاجتماعي، إلى جانب تراجع المجلات الثقافية المخصصة للأطفال وندرة البرامج الرسومية والرسوم المتحركة التي يمكن أن تُسهم في صناعة محتوى ثقافي متكامل، وأشار الجنايني إلى أن هناك من المختصين والنقاد من يطرح فكرة ضرورة تأسيس مشروع وطني شامل، مثل «مركز الخيال المصري للطفل»، ليكون منصة لتطوير القدرات الإبداعية للأطفال، ويجمع بين التعليم والثقافة والفن في صياغة تجربة متكاملة تسهم في صناعة جيل واعٍ يمتلك أدوات الخيال والفكر النقدي، وذلك بهدف حمايته من القضايا المستحدثة أو التي تكررت مؤخرًا بكثافة عالية، ومن بينها التعدي الجنسي على الأطفال.
وتشير الرؤى المتاحة حاليًا إلى أن مثل هذا المشروع لن يكون مجرد مساحة ترفيهية، بل أداة استراتيجية لدعم الصناعات الثقافية والإبداعية، بما يسهم في تعزيز الاقتصاد القومي وخلق قاعدة معرفية وفنية متينة، كما يؤكد الفنان التشكيلي على أن العمل على تأسيس مركز وطني متخصص للطفل يحتاج إلى رؤية واضحة تربط بين محتوى تعليمي وتثقيفي وإبداعي، مع مراعاة معايير الجودة العلمية والفنية، حتى يمكن للثقافة أن تلعب دورها الحقيقي في صناعة المستقبل وإعداد أجيال قادرة على الإبداع والابتكار، بدلاً من الاقتصار على الفجوات الحالية التي تعكس تشتت الجهود وضعف التنسيق بين التعليم والفن والثقافة.