«بالمكائد تصنع لك حربا».. اعترافات سياسية في كتاب مدير الموساد السابق
داخل كتاب المدير السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين، تتضح ملامح سردية تُعيد رسم دوره داخل منظومة الأمن الإسرائيلية، إذ بدا «بالمكائد تصنع لك حربًا» كأنه دعوة لاستكشاف عالم العمليات الخفية من زاوية صاحبه، لكنه في الوقت نفسه يفتح نافذة على شخصية ترى نفسها مرشحة بطبيعتها لتقلد مناصب قيادية أكبر.
رحلة تكشف عن وجه آخر لكوهين
يسترجع كوهين في أحد مقاطع الكتاب حكاية جرت قبل أشهر قليلة من بدء التأليف، كان في رحلة عودة من نيويورك تأخر إقلاعها كالعادة، فجلس في صالة الانتظار إلى جوار أكاديمي مرموق من جامعة حيفا، تعارف معه لأول مرة رغم معرفة كل منهما باسم الآخر.
ثم تحوّل اللقاء العابر إلى نقاش سياسي وثقافي طويل، إذ أشار البروفسور إلى اختلافهما الجوهري قائلاً إن كوهين يميني النزعة فيما هو يساري الهوى ويميل إلى التعايش اليهودي العربي، فردّ كوهين مقدّمًا نفسه كيميني ليبرالي وصهيوني ملتزم، لكنه في الوقت نفسه مفتون بشخصيات مثل مانديلا وغاندي ومارتن لوثر كينج.
وانتهى الحوار باقتراح مفاجئ من الأكاديمي بأن يصبح كوهين رئيساً للحكومة، ليرد الأخير ضاحكاً: وهل تأتي معي؟ ليتلقى إجابة ساخرة بأن زوجة البروفسور لن تسمح له بذلك.
قبل هذا المشهد، يعرض كوهين واقعة رواها لزوجته آية، التي يؤكد أنها اجتازت اختبارات أمنية دقيقة تثبت أنها جديرة بأن تكون زوجة ضابط في الموساد، وبعد أن روت له رأيها في إحدى مهامه، قالت له بلا تردد: «يوسي أنت يجب أن تصبح رئيسًا للموساد».. وبعد سنوات، تحققت النبوءة، وأصبح فعلاً على رأس الجهاز الذي يعد أحد أهم أذرع الأمن الإسرائيلية.
كتاب يُمهّد لطموح سياسي مكشوف
عندما يتحدث كوهين عن قيادته للموساد، يبرز دوره في الحرب الأمنية المتواصلة مع إيران وحلفائها، إذ كشف عن نجاحه في زرع شبكات واسعة من العملاء داخل الأراضي الإيرانية، فنفذت عمليات دقيقة وجمعت معلومات حساسة عن المشروع النووي وقيادات الحرس الثوري.
ومثلت هذه الإنجازات نقطة تحول في سمعته المهنية، وجعلته اسماً مؤثراً داخل أجهزة المخابرات الغربية التي رأت فيه شخصية ذات مهارة خاصة في العمل السري.
ومنذ صدور الكتاب نهاية سبتمبر الماضي، رأى محللون أنه أقرب إلى بساط أحمر يتركه كوهين أمامه في طريقه إلى رئاسة الوزراء، في ظل أزمة قيادة تواجهها إسرائيل حالياً، سواء كان ذلك طموحاً مشروعاً أو تعبيراً عن نزعة ذاتية، فإن توقيت نشر الكتاب وطريقة صياغته لا يتركان مجالاً للصدفة.

بين السيرة الذاتية وصناعة الزعامة
يُظهر الكتاب كيف يسعى كوهين إلى مخاطبة أطياف المجتمع الإسرائيلي كافة، إذ يعرض نفسه كابن للصهيونية الدينية لجذب اليمين، ويقدم صورة التضحية الوطنية لاستمالة الوسط واليسار، ويستدعي قصص مغامراته الخطرة لكسب الشباب.
كما يحرص على استعراض نجاحات الموساد لتخفيف وطأة الإخفاقات التي شهدتها إسرائيل في هجوم 7 أكتوبر 2023 حين استطاعت حركة حماس اجتياح مواقع عسكرية وقُرى إسرائيلية وقتل المئات.
المُلاحَظ أنه في كل فصل تقريباً، يكرر كوهين فكرة أن إسرائيل بحاجة إلى قائد جديد قادر على تجاوز الخلافات الداخلية وتوحيد الصفوف، ويستخدم تجاربه في الموساد نموذجاً لتجسيد هذا القائد، مقدماً نفسه كرجل حازم يفرض انضباطه على مرؤوسيه ويبتكر أفكاراً معقدة وينسّق شبكات واسعة من العملاء عن بعد، وقادر على خوض المغامرة وتدريب الآخرين عليها حتى داخل صفوف الخصوم.
علاقات دولية تلمّع الصورة القيادية
يعرض الكتاب أيضاً لقاءاته مع قادة عالميين، فيروي أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خاطبه مرة في البيت الأبيض قائلاً: «كيف حال أقوى رجل في الشرق الأوسط؟».
كما يتحدث عن لقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي وصفه بـالزميل نظراً لخلفية الاثنين الاستخباراتية، ويشير إلى إشادات من رؤساء المخابرات الأمريكية الذين رأوه صديقاً كبيراً لأميركا ووطنيًا إسرائيليًا من الطراز الأول.