ما حكم تكرار العمرة في السفرة الواحدة؟ دار الإفتاء تجيب
أجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال حول حكم عمل أكثر من عمرة في السفرة الواحدة ؟
وجاء ردها كالتالي: "يجوز تكرارُ العُمرةِ أكثر مِن مَرةٍ مُطلَقًا، بل إن الإكثار منها مُستحبٌّ مُطلَقًا، وهو مذهب جماهير علماء المسلمين سلفًا وخلفًا، وهو قول الحنفية والشافعية، وقول جماعةٍ مِن المالكية؛ كالإمام مطرف وابن المواز، وقول إسحاق بن راهويه ورواية عن الإمام أحمد، ومِمَّن حكاه عن الجمهور: الماورديُّ والسرخسيُّ والعبدريُّ والنوويُّ، وحكاه الإمام أبو بكر بنُ المنذر عن عليِّ بن أبي طالب وابنِ عُمر وابنِ عباس وأنس وعائشة وعطاء وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
أضافت دار الإفتاء في فتواها أن هذا الأمر ينطبق أيضا على المُتَمَتِّعُ بعد تحلله مِن عُمرته الأولى التي نوى بها التَّمَتُّعَ بالعُمرة إلى الحج، وقبل إحرامه بالحج، ومَن فَعل ذلك فقد أتى بأمرٍ مُستحبٍّ مُثابٍ عليه شرعًا، بل إن الإمامُ الشافعي رضي الله عنه اعتبر المَنعَ مِن أداء العمرة أكثر مِن مرةٍ في السنة أمرًا مخالفًا لِسُنة النبي صلى الله عليه وسلم.
الإكثار من مكفرات الذنوب مطلوب شرعا
قدمت دار الإفتاء الدليل على جواز تكرار العمرة متمثلا في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ فلم يُفرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أن تكونا في سَنةٍ واحدة أو أكثر، والمُطلَق يُؤْخَذُ على إطلاقه ما لم يأتِ ما يقيده.
كما أن الإكثارَ من مُكَفِّرَات الذُّنُوب مطلوبٌ شرعًا مُطلَقًا، ويؤيِّدُ ذلك الحديثُ الصحيح الذي أخرجه الترمذيُّ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلاَّ الجَنَّةُ»، فالتكرار والمُوَالاة يَدخُلان في عموم الأمر بالمُتابعة بين الحج والعُمرة كما هو ظاهر.
جوانب اختلاف الفقهاء
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" وفي حديث الباب دلالةٌ على استحباب الاستكثار مِن الاعتِمَار، خِلافًا لقول مَن قال: يُكرَه أن يَعتَمِر في السَّنة أكثر مِن مَرةٍ كالمالكية، ولِمَن قال: مَرةً في الشهر مِن غيرهم، واستدل لهم بأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلَّا مِن سَنةٍ إلى سَنةٍ وأفعاله على الوجوب أو الندب، وتعقب بأن المندوب لم يَنحصر في أفعاله؛ فقد كان يَترك الشيءَ وهو يَستَحِب فِعلَه لِرَفع المَشَقَّة عن أمته، وقد ندب إلى ذلك بلفظه؛ فثبت الاستحبابُ مِن غير تقييد، واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لِمَن لم يكن مُتَلَبِّسًا بأعمال الحج إلَّا ما نُقِل عن الحنفية أنه يُكرَه في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ونَقل الأثرمُ عن أحمد: إذا اعتَمَر فلا بُدَّ أن يَحلِقَ أو يُقَصِّرَ فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام ليُمكِنَ حَلقُ الرأس فيها، قال ابنُ قدامة: هذا يَدُلُّ على كراهة الاعتِمَار عنده في دُونِ عشرة أيام.
ولِأنَّ العُمرةَ عبادةٌ غيرُ مؤقتةٍ لا تَتَعَيَّن في السَّنة بوقتٍ، فوَجَب أن تكون مِن جِنسِ ما يُفعل على التوالي والتكرار، كالصوم والصلاة، ولِأنَّ العُمرةَ إنما سُمِّيَت عُمرةً؛ لأنها تُفعل في جميع العُمر على قول جماعةٍ مِن أهل اللغة.

