رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الزرقا.. حكاية مدينة في دمياط تبدأ من أسطورة ملكة إلى مدينة على ضفاف النيل

مدينة الزرقا بدمياط
مدينة الزرقا بدمياط

يُحكى أن ملكة شامية قديمة جاءت إلى أرض دمياط منذ قرون بعيدة، أعجبت بموقع قرية صغيرة على ضفاف النيل، حيث الهواء العليل والماء المتدفق والحقول الخصبة، أرادت أن تبني فيها قصرًا يليق بمكانتها، يطل على المياه وتحيط به الحدائق، ليكون ملاذًا لها بعيدًا عن صخب الحروب ومؤامرات القصور، كانت تُعرف بـ"الملكة الزرقاء"، ربما لأنها كانت تعشق اللون الأزرق وتزين به ثيابها، أو لأن عينيها كانتا بلون البحر، فارتبط اسمها بالمكان.

بدأت الملكة في تنفيذ حلمها، وأرسلت عمالها لبناء القصر ارتفعت الحجارة وعلت الجدران، وبدأت ملامح القصر تظهر. لكن فيضان النيل كان له رأي آخر فبين ليلة وضحاها اجتاحت المياه المكان، فانهار البناء وغرق الحلم مع الأساطير منذ ذلك الحين ظل الناس يطلقون على القرية اسم "الزرقا" تخليدًا للملكة وقصرها المفقود، لتصبح الحكاية جزءًا من هوية المكان.

ومع مرور الزمن، لم تبق القصة وحدها مصدر التسمية فالبعض يؤكد أن اسم "الزرقا" جاء من لون مياه النيل العميقة، حين كانت الشمس تغيب فتنعكس الزرقة على سطحه. وآخرون يقولون إن القرية اشتهرت قديمًا بصناعة الأقمشة وصبغها باللون الأزرق، وكان التجار يقصدونها لشراء المنسوجات، حتى ارتبط اللون باسمها بين الأسطورة والتاريخ والواقع تظل الزرقا مدينة غنية بالحكايات.

في العهد العثماني وما تلاه، كانت الزرقا مجرد قرية صغيرة تابعة لـ"ميت الخولي عبد الله" يعيش أهلها على الزراعة وصيد الأسماك والتجارة البسيطة لكن القرية أخذت في النمو، وبدأت شوارعها تضيق بزحام الناس، فأنشئت المدارس وبُنيت المساجد، وأصبحت السوق الأسبوعية ملتقى القرى المجاورة ثم جاء عام 1975 ليغير المشهد تمامًا، صدر القرار بتحويلها إلى مدينة، وبعد ثلاث سنوات فقط أصبحت عاصمة لمركز الزرقا. لم يكن الأمر مجرد تغيير إداري على الورق، بل كان نقلة حقيقية في حياة أهلها: مبانٍ حكومية، خدمات إدارية، ووعي متزايد بأهمية التعليم والعمل.

 الحقول الخضراء المزروعة

اليوم، إذا تجولت في الزرقا، ستشعر أنك أمام لوحة تجمع بين الريف والحضر على أطرافها تمتد الحقول الخضراء المزروعة بالقمح والذرة والخضراوات، بينما قلبها يعج بالأسواق والمحلات التجارية وورش النجارة الصغيرة النيل يظل قريبًا، يمدها بالماء والصفاء، وكأنه يذكّر أهلها بالملكة الزرقاء التي ربطت اسمهم بالماء واللون الأزرق.

داخل المقاهي الشعبية تجد كبار السن يحكون القصة كما لو كانت حدثت بالأمس. بعضهم يؤكد أن الملكة غرقت مع قصرها، وآخرون يصرون أنها عادت إلى بلادها تاركة وراءها اسمًا بقي إلى الأبد. أما الشباب فينظرون إلى القصة على أنها جزء من تراث مدينتهم، يميزها عن غيرها من مدن دمياط.

الزرقا اليوم ليست مجرد مدينة صغيرة، بل مركز إداري يخدم عشرات القرى المحيطة، ونقطة مواصلات رئيسية على الطريق بين دمياط والمنصورة. ومع ذلك، فهي تواجه تحديات مثل الحاجة إلى تطوير المرافق والبنية التحتية، ومزيد من المشروعات التنموية التي تواكب زيادة عدد السكان. لكن أهلها ما زالوا يتمسكون بجذورهم ويؤمنون أن مدينتهم الصغيرة تستحق مستقبلًا أفضل.

وهكذا، تبقى الزرقا مدينة تجمع بين الأسطورة والواقع. حكاية ملكة ابتلع النيل قصرها ما زالت تروى في ليالي الشتاء، بينما حاضرها يكتب كل يوم مع أجيال جديدة تحاول أن تبني ما لم تستطع الملكة أن تكمله. إنها مدينة تحمل بين حروف اسمها تاريخًا عميقًا وأملًا مفتوحًا على الغد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء